الراغب الأصفهاني

85

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

دخل أبو نواس على جارية الناطفي وكان قد ضربها مولاها فقال : إنّ عنانا أسبلت دمعها * كالدرّ إذ ينسلّ من خيطه فليت من يضربها ظالما * تيبس يمناه على سوطه قال خالد الكاتب : ما زلت أنكر ما ألقى وأجحده * فاستشهد العاذلون الدمع والنفسا أنشد أبو السائب القاضي قول جرير : أنّ الذين غدوا بلبّك غادروا * وشلّا بعينك لا يزال معينا « 1 » غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي * ما ذا لقيت من الهوى ولقينا فحلف أن لا يرد على أحد سلامه يومه إلا بالبيتين ونحوه . ولبعضهم : ولمّا تلاقينا جرت من عيوننا * دموع كففنا غربها بالأصابع « 2 » رأى الرشيدي كتابة في جدار قصر دجلة : وما لي لا أبكي بعين حزينة * وقد قربت للظاعنين حمول وتحته مكتوب : ايه ايه ايه . فجعل يسأل أصحابه عن المكتوب تحته فلم يعرفوه فقال الربيع إنما أراد حكاية البكاء . وقال آخر : فلو أن خدّا كان من فيض عبرة * يرى معشبا لا خضر خدّي وأعشبا قالت فاطمة بنت الأحجم : كأنّ عيني لمّا أن ذكرتهم * غصن يراح من الطّرفاء ممطور « 3 » وقال آخر : نبيت كأنّ العين أفنان سدرة * عليها سقيط من ندى الطلّ ينطف « 4 » جعل البكاء كسحاب وقطر قال كثيّر : كأنّ إنسانها في لجّة غرق وقال ابن الحاجب : كأنّ السحاب الغرّ حشو جفونه * إذا انهملت من عينه عبراتها

--> ( 1 ) الوشل : القليل من الماء ، ومن وشل الماء سال وقطر ، والوشول الضعف . ( 2 ) كفّ الدمع : منع انحداره - الغرب : النشاط والحدّة . ( 3 ) الطرفاء : ضرب من الشجر . ( 4 ) الأفنان : الأغصان جمع فنن - السدرة : واحدة السدر - السقيط : ما يسقط - الندى : الطلّ - ينطف : يقطر .