الراغب الأصفهاني

83

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

شكوى بخل المحبوب قال شاعر : لقد بخلت حتّى لو أنّي سألتها * قذى العين من سافي التّراب لضنّت كأنّي أنادي صخرة حين أعرضت * من الصمّ لو تمشي بها العصم زلّت « 1 » وإنّي وتهيامي بعزّة بعد ما * تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت لكالمبتغي ظلّ الغمامة كلّما * تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت وقال البحتري : ألف الصدود فلو يمرّ خياله * بالصبّ في سنة الكرى ما سلّما التلوّن بما يسلي المحب تمثل شريح لامرأته بقول مالك بن أسماء : خذي العفو منّي تستديمي مودّتي * ولا تنطقي في سورة حين أغضب « 2 » فأنّي رأيت الحبّ في الصّدر والأذى * إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب وقال : يراك ويهوى من يقلّ خلافه * وليس بمحبوب حبيب يخالف التواء المحبوب على محبّه ومخالفته له في أحواله قال شاعر : شكوت فقالت كلّ هذا تبرّما * بحبّي أراح اللّه قلبك من حبّي فلمّا كتمت الحبّ قالت لشدّ ما * صبرت وما هذا بفعل شجيّ القلب وأدنو فتقصيني فأبعد طالبا * رضاها فتعتدّ التباعد من ذنبي فشكواي يؤذيها وصبري يئودها * وتجزع من بعدي وتنفر من قربي « 3 » وقال : إن التي عذّبتني في محبّتها * كلّ العذاب فما أبقت وما تركت عاتبتها فبكت فاستعبرت جزعا * عيني فلما رأتني باكيا ضحكت فعدت أضحك مسرورا بضحكتها * منّي فلمّا رأتني قد ضحكت بكت تهوى خلافي كما حثّت براكبها * يوما قلوص فلمّا حثّها بركت « 4 »

--> ( 1 ) زلّت : وقعت . ( 2 ) السورة : الحدّة والغضب - تستديمي المودّة : تجعليها دائمة ومستمرة . ( 3 ) يئودها : يعطفها ويحنيها يقال : آده أثقله ، وآد العود عطفه وحناه - تجزع : تخاف . ( 4 ) القلوص : الناقة السريعة .