الراغب الأصفهاني

757

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

فقال لها الوليد : ما يمنعك من البكاء على أمير المؤمنين ولا مصيبة أجل من فقده فقالت : ما أقول أستزيد اللّه في سلطانه حتى يقتل لي أخا آخر . فقال : أي واللّه لقد كسرنا ثناياه وقتلناه . قالت : لقد علمت من شقت استه بالملمول . قال : ألحقي بأهلك ألذ من الرفاء والبنين . وقف يزيد بن عبد الملك على حائك وإلى جانبه فرس رائع مربوط فجعل يتعجب منه فقال : ما رأيت كاليوم فرسا كأنه بغلة فأعجب يزيد به ، فقال وأريك ما هو أعجب وأخرج سيفا كأنه بقلة فساومه يزيد فيه بأربعة آلاف دينار فأبى وقال أريك ، أعجب من ذلك ثم رفع سترا فبدت جارية كفلقة قمر ، فقال : هل لك أن تنزل عنها بألف دينار فأبى وقال : ولم أريتنيها قال لتعلم أن اللّه له نعم على أقنا الناس . وقال بعض الأنصار : من أدمن إتيان المساجد رأى فيها ثماني خصال : أخا مستفادا وعلما مستظرفا وآية محكمة ، ورحمة منتظرة ، وكلمة تدل على هدى ، وأخرى تردّ عن ردى ، وترك الذنوب حياء أو خشية . شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فردّه مع محمد بن سلمة الأنصاري وأمره أن يطوف في مساجدهم يسألهم عن سيرته فجعلوا يقولون : خيرا ، حتى أتى مسجد بني عبس فقام أسامة بن زيد العبسي فقال : كنت واللّه لا تعدل في القضية ولا تعزو في السيرة ، ولا تقسم بالسويّة فقال : اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأدم فقره ولا تنجيه من معاريض الفتن فرؤي شيخا كبيرا يمشي على محجن « 1 » فيقول شيخ أعمى أدركته دعوة العبد الصالح . دخل بعض الشعراء على أمير فأنشده : إن الأمير يكاد من كرم * أن لا يكون لأمّه بظر فقال أعطوه شيئا لئلا يهذي ، وأحب أن لا يعود يمدحنا . ودفع رجل إلى خياط ثوبا ليخيطه فقال لأخيطنه لا تدري أقباء أم قميص ؟ فقال لأمدحنك ببيت لا تدري أهجاء أم مديح وكان الخياط أعور فقال فيه : خاط لي عمرو قبا * ليت عينيه سوا ولما أنشد النابغة النعمان قوله : تخفّ الأرض ما بنت عنها * وتبقى ما بقيت بها ثقيلا « 2 » غضب وقال : لا أدري أهجوتني أم مدحتني ؟ فقال : حللت بمستقر العزّ منها * وتمنع جانبيها أن تزولا

--> ( 1 ) المحجن : العصا المنعطفة الرأس . ( 2 ) بان عن : بعد ونأى .