الراغب الأصفهاني
70
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
قال التنوخي : كأنّما كان عمري في اقترانك بي * عارية فاستردته يد البعد « 1 » وكتب بعضهم يوم توديعك ودّعت قلبي فهو يتصرف بتصرفك وينصرف بمنصرفك . قال ابن الحجاج « 2 » : رحلت وما علمت بأنّ قلبي * على بعض الزوامل في الرحال « 3 » وقال آخر : لئن بعدت عنك أجسادنا * لقد سافرت معك الأنفس قال السلامي : ما تنشدون وقلبي في رحالكم * هو الصواع وبعض العير سرّاق « 4 » قال أبو تمّام : تكاد تنتقل الأرواح لو تركت * من الجسوم إليها حين تنتقل من ارتحل فخلّف قلبه عند حبّه . قال الخبزارزي : أنا غائب والقلب عندك حاضر * سافرت عنك وما الفؤاد مسافر وقال آخر : وإن يرتحل جسمي مع الركب مكرها * يقم عنده قلبي وأمضي بلا قلب قال المتنبّي : فجد لي بقلب إن رحلت فإنّني * أخلف قلبي عند من فضله عندي « 5 » ولو فارقت جسمي إليك حياته * لقلت أصابت غير مذمومة العهد شدّة الفرقة قيل لبعض الصوفية : لم تصفرّ الشمس عند الغروب ؟ فقال : خوفا من الفراق وبه ألم . قال الأستاذ الرئيس : لا تركننّ إلى الودا * ع وإن سكنت إلى العناق
--> ( 1 ) العارية : ما تملك منفعته بغير ضرّ - استردّت : استرجعت . ( 2 ) ابن الحجّاج : شاعران هما : عبد اللّه بن الحجاج الثعلبي ، من صعاليك شعراء العرب . اشتهر بشجاعته وتأييده عبد اللّه بن الزبير . مات سنة ( 719 م ) ، والآخر من شعراء بغداد الذين اشتهروا بالغزل والمجون ، ومات سنة ( 1001 م ) . ( 3 ) الزوامل : جمع الزاملة وهي الدّابة من الإبل وغيرها يحمل عليها . ( 4 ) الصواع : الصّاع ، إناء يشرب فيه . ( 5 ) أخلف قلبي : أتركه - يعبّر عن وفائه للمحبوب ويقول بأنني إذا ارتحلت تركت قلبي عند من أحبّ .