الراغب الأصفهاني
68
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال : ليس عندي خطب النوى بعظيم * فيه روح وفيه كشف غموم إنّ فيه اعتناقة لوداع * وانتظار اعتناقة لقدوم وقال : ولو فهم النّاس التّلاقي وحسنه * لحبّب من أجل التّلاقي التفرّق فيا حسننا والدّمع بالدمع واشج * نمازجه والخدّ بالخدّ ملصق « 1 » فلم تر إلا مخبرا عن صبابة * بشكوى وإلا عبرة تترقرق ومن قبل قبل التلاقي وبعده * نكاد بها من شدّة اللثم نشرق « 2 » عذر نارك توديع محبوبه كتب بعضهم : ما أعرضت عن تشييعك إلا استفظاعا لتوديعك وما كرهت توديعك إلا كراهة تجديد العهد بفراقك . قال البحتري : لا تعذلني في مسي * رك يوم سرت ولم ألاقك أني عرفت مواقفا * للبين تسفع غرب ماقك « 3 » وعلمت أن لقاءنا * سبب اشتياقي واشتياقك قال الصنوبري : بأبي من هربت من توديعه * وبعثت الدموع في تشييعه البكاء عند التوديع لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب بن الزبير تعلقت به امرأته عاتكة فبكت وأبكت جواريها ، فقال عبد الملك : قاتل اللّه ابن أبي جمعة حيث قال : إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه * حصان عليها نظم درّ يزينها « 4 » نهته فلمّا لم تر النهي عاقه * بكت فبكى ممّا دهاها قطينها « 5 » وقال : وممّا دهاني أنّها يوم أعرضت * تولّت وماء العين في الجفن حائر « 6 »
--> ( 1 ) واشج : ممتزج . ( 2 ) نشرق : نغصّ - اللثم : التقبيل . ( 3 ) الغرب : الدمع - ماقك : مخفّف : مآقيك . ( 4 ) لم يثن عزمه : لم يمنعه - الحصان : المرأة العفيفة . ( 5 ) عاقه : منعه - القطين : أهل الدار والخدم والأتباع . ( 6 ) أعرضت : صدّت وجفت - ماء العين : الدمع .