الراغب الأصفهاني
668
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
أمرها أنفذ من أن تحتاج أن تركب وأي شيء يتفاقم حتى تحتاج عائشة فيه إلى الركوب ثم لا يعرف خبره . وقال بعضهم في تفضيل الإناث منها : عليك بالبغلة دون البغل * مركب قاض وإمام عدل وعالم وسيّد وكهل * تصلح للوحل وغير الوحل ويضرب به المثل في تلوّن أخلاقه . قال الشاعر : خلق جديد كلّ يو * م مثل أخلاق البغال وقال آخر : متلوّن كتلوّن البغل لقي الرشيد موسى بن جعفر على بغلة فاستنكر ذلك ، وقال : أتركب دابّة إن طلبت عليها لم تلحق وإن طلبت لم تسبق ؟ فقال : لست بحيث أحتاج أن أطلب أو أطلب فإنها دابّة تنحط عن خيلاء الخيل ، وترتفع عن ذلّة الحمير وخير الأمور أوساطها . وصف الحمار مدحا وذمّا وصف الفضل بن عيسى الحمار فقال : هو أقرب الدواب داء وأكثرها دواء وأكبرها جماحا . أنفض مهوى وأقرب مرتقى . قد تواضع راكبه . ولو أراد أبو سيارة لركب في الموسم مهريا وفرسا عربيا ، لكنه ركب الحمار أربعين سنة ، فعارضه أعرابي ، فقال : الحمار إن وقفته أدلى وإن تركته ولى ، كثير الروث قليل الغوث لا ترقأ به الدماء ولا تمهر « 1 » به النساء ولا يندى به الإناء . ونظر الرقاشي إلى حمار فاره لمسلم بن قتيبة ، فقال : قعدة نبي وبذلة جبار ، ذهب إلى حمار عزير وحمار عيسى وحمار بلعم . وقرّب إلى أبي لجيم حمار له ليركبه وهو والي البصرة ، فقال خالد بن صفوان : أعيذك باللّه أيها الأمير من ركوبه فإنه عير ، والعير عار وشنار منكر الصوت بعيد الفوت متفرق الصحل ، متورط في الوحل بسائره ، مشرف ولراكبه مقرف . فقال أبو لجيم : أمصله . فقال خالد : اجعله لي . فقال : هو لك فعاد عليه راكبا . فلما بصر به ، قال : ما هذا ؟ قال : عير من نسل الكداد أصحر السربال محملج « 2 » القوائم يحمل الرجل ويبلغ العقبة ، ويمنعني أن أكون جبارا . وقيل : شر المال مالا يزكى ولا يذكى يعني الحمير ، لأنها لا تجب الزكاة في سائمتها .
--> ( 1 ) تمهر به النّساء : أي يعطى مهرا لهنّ . ( 2 ) المحملج : من حملج الحبل إذا فتله فتلا شديدا .