الراغب الأصفهاني

662

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وحكى اللّه تعالى عنهم أنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ( الآيات ) وكان الشياطين يتسمعون ما يوحونه إلى أوليائهم . وقد زعم بعض الناس أن اللّه تعالى جعل الرجوم حجة لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال قوم ليس كذلك . فقد قال بشر : فجال على نفر كما انقضّ كوكب * وقد حال دون النقع والنقع يسطع « 1 » وقال أمية بن أبي الصلت : وترى شياطينا تروغ مضافة * ورواغها صبر إذا ما تطرد « 2 » تلقى عليها في السّماء مذلّة * وكواكب ترمى بها فتعرد صرع الجنّ للإنسان وغيره عندهم أن الجن يصرع الإنسان لحبّه له . وقيل : إن فتى قبيحا حصل جارية مليحة فقال لها : ما في الدنيا أملح منّي . فجاء إلى بابه يوما فتى ظريف يطلبه فتطلّعت فرأته فلما عاد قالت له : ألم تقل إن ما في الدنيا أحسن منك ؟ وقد جاء فلان يطلبك فرأيته أملح منك . فقال الرجل : يريد أن يقبحه في عينها : هو مليح لكن له جنية تصرعه كل شهر مرة . فقالت : لو كنت جنيته لصرعته ألفين . واستدل على أن نتيجة الصرع من الجنّ بقوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ « 3 » وقالوا في بعير مجنون : إنه لا يرى ما لا ترى الإبل . وقالوا : قد يجن الجن . وأنشد لدعلج الحكم : وكيف يفيق الدهر كعب بن ناشب * وشيطانه عند الأهلة يصرع تصوّر الجن للإنسان بصور تزعم العامة أن الجنّ تتصور بأي صورة تشاء ، إلا الغول « 4 » فإنها تتصور في صورة امرأة ، إلا رجليها فإنهما لا بد وإن يكونا رجلي حمار . وقاسوا ذلك بتصوير جبريل عليه السلام بصورة دحية الكلبي ، وتصوّر إبليس بصورة سراقة بن مالك ، وبصورة الشيخ النجديّ . والغول تتصور للإنسان فتغوله أي تهلكه ، ويقولون من ضربها ضربة قتلها . وإذا زيدت لم تمت ولو ضربت ألوفا . قال شاعر : فقالت زد فقلت رويد أني * على أمثالها ثبت الجنان

--> ( 1 ) النقع : الغبار . ( 2 ) الرواغ : مصدر راغ يروغ ، أي حاد عن الطريق وذهب هكذا وهكذا . ( 3 ) القرآن الكريم : البقرة / 275 . ( 4 ) الغول : حيوان لا وجود له .