الراغب الأصفهاني

652

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وسأل الحجاج أصحابه : أي شيء أذهب للتعب ؟ فقيل : التمريخ « 1 » وقيل الحمام وقيل النوم وكان فيهم فيروز فقال ما شيء أذهب للتعب من قضاء الحاجة قال المؤلف وهذا من قول القطامي : وقد يهون على المستنجح العمل الدعاء للمسافر كما يقال للمسافر استودع اللّه دينك وأمانتك وخواتيم عملك ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لرجل : اللهم اطو له البعيد وهون عليه السير وقال : نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ، ومن الحور بعد الكور . اللهمّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والوطن . ( 7 ) وممّا جاء في الحنين إلى الأوطان رضي الناس بمسقط رأسهم قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : لولا حبّ الوطن لخربت بلاد السوء . وقيل : بحب الأوطان عمارة البلدان . وقال ابن عباس : لو قنع الناس بأرزاقهم قنوعهم بأوطانهم لما شكا عبد رزقه . وقيل لأعرابي : كيف تصبرون ؟ على جفاء البادية وضيق العيش ؟ فقال : لولا أن اللّه تعالى أقنع بعض العباد بشر البلاد ما وسع خير البلاد جميع العباد ، وقال بعض الفلاسفة فطرة الرجل معجونة بحب الوطن . فضل محبة الوطن روي في الخبر : حبّ الوطن من طيب المولد . وقال أبو عمرو بن العلاء مما يدلّ على كرم الرجل وطيب غريزته حنينه إلى أوطانه وحبه متقدمي إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه . وقالت العجم : من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة وإلى مسقط رأسها توّاقة . وسمع أبو دلف رجلا ينشد : ألقى بكلّ بلاد إن حللت بها * ناسا بناس وإخوانا بإخوان فقال : هذا الأم بيت قالته العرب ، لقلة حنينه إلى ألّافه . الحثّ على صيانة مسقط الرأس قيل : لا تجف بلدا فيه قوابلك ، وأرضا تبنكها « 2 » قبائلك . وقيل : احفظ بلدا

--> ( 1 ) التمريخ : مصدر مرّخ جسده : أي دهنه . ( 2 ) تبنكها : تقيم فيها .