الراغب الأصفهاني

646

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقيل : عذابان لا يعرف قدرهما إلا من بلي بهما : السفر الشاسع والعذاب الواسع ، وقال : وإن اغتراب المرء من غير خلّة * ولا همّة يسمو بها لعجيب وقال مروان : إذا ما حمام المرء حمّ ببلدة * دعته إليها حاجة وتطرّب « 1 » وقال البحتري : وإن اغتراب المرء في غير بغية * يطالبها من حيف دهر يطالبه « 2 » وقال الحسن رضي اللّه عنه في دعائه : اللّهمّ إنا نعوذ بك أن نملّ معافاتك . فقيل له في ذلك ، فقال : أن يكون الرجل في خفض فتدعوه نفسه إلى سفره ، وقيل - ما دار من يشتاق إلى السفر بدار سلامة . ذمّ الإقامة في غير الأهل قيل : إذا كنت في غير قومك فلا تنس نصيبك من الذلّ ، وقال : نصيبك من ذلّ إذا كنت جاليا وقال : إذا كنت في قوم ولم تك منهم * فكل ما علفت من خبيث وطيّب الغريب كالفرس الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر وقال الأعشى : ومن يغترب عن قومه لا يجد له * على من له رهط حواليه مغضبا وتدفن منه الصالحات وإن يسئ * يكن ما أساء النار في رأس كوكبا وقال : ولم أر عزّا لامرئ كعشيرة * ولم أر ذلا مثل ناء عن الأهل وقال أبو عيينة : وقائلة ما ذا نأى بك عنهم * فقلت لها لا علم لي فسلي القدر فيا سفرا أودى بلهوي ولذّتي * ونغّصني عيشى عدمتك من سفر وروي أنه رئي القاسم بن عبيد اللّه فقيل له : ما خبرك ؟ فقال : وارحمتا للغريب في البلد * النازح ما ذا بنفسه صنعا « 3 » فارق أحبابه فما انتفعوا * بالعيش من بعده وما انتفعا

--> ( 1 ) الحمام : الموت . ( 2 ) الحيف : الجور والظلم . ( 3 ) البلد النّازح : البلد النّائي البعيد .