الراغب الأصفهاني

586

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

القرية : ائته بالماء . وقال ابن يزيد لشراعة : ما تقول في الماء ؟ قال : هو الحياة ويشركني فيه الحمار ، وقيل : ليس للماء قيمة لأنه لا يباع إذا وجد ولا يبتاع إذا فقد ، وسمي الماء نفسا في قوله : أتجعل النفس التي تدير * في مسك شاة ثم لا تسير ووصفه آخر فقال : هو مزاج الروح وصفاء النفس وقوى البدن ، ومن فضيلته أن كل شراب وإن رقّ وصفا وعذب وحلا فليس يعوّض منه بل يطيب بممازجته ويعذب بمخالطته . قيل للنظام : ما لون الماء ؟ قال : لون إنائه وإذا بعد قعره تصوّر أسود . وقيل : الماء من جنس الهواء وكل واحد منهما يستحيل إلى الآخر لما بينهما من المناسبة ولا لون لهما . وقيل : بعث ملك الروم إلى معاوية بقارورة فقال : اجعل فيها من كل طعام وشراب شيئا فلم يدر ، فقال ابن عباس : اجعل فيها الماء ، فإن اللّه تعالى يقول : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ « 1 » ، فلما أتى به ملك الروم ، قال : هذا فعل رجل من بيت النبوة . وقال اللّه تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ « 2 » فلم يذكره بأكثره مما في خليقته من السلامة من التغير الداخل عليه . وقال تعالى : هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ « 3 » ، وهذا ملح أجاج . قال شاعر : مواقع الماء من ذي غلّة صادي « 4 » وقال بعض البلغاء في وصفه : وما ظنكم بشراب إذا ملح وخبث أنبت العنبر وولد القار ، والماء لا يغذو ولا يرى من اغتذى به ، واستدلوا على ذلك بأن لك سيّال إذا طبخ انعقد إلا الماء . وعلى قياسه قالوا : لا ينعقد في الجوف إذا طبخته الكبد ، وإذا لم ينعقد لم ينبت منه لحم ولا عظم . جريان ماء الأودية قال ابن طباطبا : يا حسن وادينا ومدّ الماء * يختال في حلية دكناء « 5 » فصبحه يفترّ عن مساء * في صخر عال وفي ضوضاء يحكي رغاء النّاقة الكوماء * ترى به مناطح الظّباء « 6 » جماء قد شدت إلى قرناء « 7 »

--> ( 1 ) القرآن الكريم : الأنبياء / 30 . ( 2 ) القرآن الكريم : محمد / 15 . ( 3 ) القرآن الكريم : الفرقان / 53 . ( 4 ) الصادي : العطشان . ( 5 ) دكناء : تميل إلى السواد . ( 6 ) الناقة الكوماء : العظيمة والطويلة السنام . ( 7 ) جماء : ملساء الرأس - قرناء : ذات قرون .