الراغب الأصفهاني

575

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقال آخر : ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد * فقد زادني مسراك وجدا على وجد وقالت أم المثلم : أتينا بريح المسك خالط عنبرا * وريح الخزامى باكرتها جنوبها وقال الموسوي : وهبّت لأصحابي شمال لطيفة * قريبة عهد بالحبيب بليل ترانا إذا أنفاسنا مزجت به * نرنّح في أكوارنا ونميل كيفية البرد الشديد قيل لأعرابي : ما أشد البرد ؟ قال : إذا أصبحت الأرض ندية والسماء نقية والريح شآمية . وقيل لآخر . فقال : إذا دمعت العينان وقطر المنخران ولجلج اللسان . وقيل لآخر فقال : إذا نديت الدقعاء « 1 » وصفت الخضراء وهبت الجربياء . وقيل لآخر : أي اليوم أبرد ؟ فقال : الأحص الورد والأزب الهلوف . فالأحص الورد يوم تصفو شماله ويحمر أنفه ، والأزب الهلوف يوم تهبّ فيه نكباء فتسوق الجهام « 2 » . وسأل الرشيد بعض أصحابه عن شدّة البرد فقال : ريح جربياء « 3 » في ظل عماء في غب سماء . وصف البرد كان أعرابي يرتعد في يوم شات . فقيل له : تحوّل إلى الشمس . فقال : الشمس تحتاج اليوم إلى قطيفة . وقيل لرجل : ما أثقل جبتك . فقال : البرد أثقل منها . قال وهب الهمداني : يوم من الزمهرير مقرور * عليه ثوب الصّبا مزرور كأنّما حشو جواه آبن * وأرضنا فرشها قوارير « 4 » وشمسه حرّة مخدّرة * ليس لها من ضيائها نور قال الشمسياطي في وصف شتاء : ألقى كلاكله ببرد قارض * حتّى غدا من في جهنم يحسد أخذه من أعرابي ، قال : فإن كنت ربّي مدخلي في جهنم * ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم

--> ( 1 ) الدقعاء : الأرض لا نبات فيها . ( 2 ) الجهام : السحاب لا ماء فيه . ( 3 ) الجربياء : ريح الشمال . ( 4 ) آبن : ملبد بالغيوم السوداء - قوارير : جمع قارورة ، وهي إناء مستطيل يجعل فيه الشراب والطيب ونحوهما .