الراغب الأصفهاني

569

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

بنات نعش قال ابن هرمة : وبنات نعش يشتددن كأنّها * بقرات رمل خلفهنّ جآذر « 1 » وقال التنوخي : كأنّ بني نعش نساء حواسر * قرائب قد شيّعن نعش قريب وقال ابن طباطبا في وصف ليلة مقمرة : وليلة مثل يوم شمسها قمر * بدت بدوّ الضّحى ظلّاء قمراء يا حسنها ليلة عاد النهار بها * أنسا وطيبا وإشراقا ولألاء وقال ابن المعتز : بيضاء قمراء أتاها صبحها * وثيابها من ظلمة لم تدنس وقال آخر : كأنما فضة ذابت على البلد ظلمة الليل قال بعض الأعراب : خرجت في ليلة حندس « 2 » قد ألقت على الأرض أكارعها « 3 » فمحت صور الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالآذان . وقال آخر : سريت ليلة حين انحدرت أيدي النجوم وشالت أرجلها ، فما زلت أصدع « 4 » الليل حتى تصدع لي الفجر . وسأل هشام بن عبد الملك خالد بن صفوان فقال : كيف سيرك ؟ فقال : قتل أرضا عالمها وقتلت أرض جاهلها بينا أنا أسير ذات ليلة إذ عصفت ريح شديدة اشتدت ظلماؤها وأطبق سناؤها وطبّق سحابها ، ونطق ذبابها ، فبقيت محرنجما كالأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر ، لا أسمع لواطئ همسا ولا لنائح جرسا ، تدلت عليّ غيومها وتوارت عنّي نجومها ، فلا أهتدي بنجم طالع ولا بعلم لامع ، أقطع محجة وأهبط لجّة في ديمومة قفر بعيدة القعر ، فالريح تخطفني والشول تخبّطني ، في ريح عاصف وبرق خاطف ، قد أوحشني أكامها وقطعني سلامها . فبينا أنا كذلك وقد ضاقت عليّ معارجي وسدّت مخارجي ، إذا بدا نجم لائح وبياض واضح وعرضت لي أكام محرملة « 5 » ، فإذا أنا بمصانعكم هذه فقرّت العين وانكشف الرين وذهب الأين . فقال هشام : للّه درك فما أحسن وصفك . قال شاعر : هو ليل كشباب * لم يطر فيه مشيب

--> ( 1 ) جآذر : جمع جؤذر ، وهو ولد البقرة الوحشية . ( 2 ) الحندس : الليل شديد الظلمة . ( 3 ) أكارعها : قوائم الدابة . ( 4 ) أصدع الليل : انشق . ( 5 ) آكام محرملة : مزروعة ومصفوفة بالنبات والأزهار .