الراغب الأصفهاني
557
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
فمن للبوادر قبل الطبيخ * ومن للمبزر قبل القلايا « 1 » نبش القبور قال عمرو بن هانئ الطائي : بعثنا أبو غانم المروزيّ على نبش قبور بني أمية ، فانتهيت إلى قبر هشام فاستخرجته صحيحا فما فقدت منه شيئا إلا أطراف أنفه . إلا أنه كان كريشة فأحرقناه ، ثم استخرجنا سليمان من أرض دابق فلم نجد إلا صلبه وجمجمته ، وكذلك كان عبد الملك ، ووجدنا معاوية كخط أسود كأنه رماد ، ولم يوجد في قبر يزيد بن معاوية إلا عظم واحد ، وما وجد من عظامهم أحرقناه . ومن أنواع هذا الباب قال الجاحظ : ما سمع في صفة النوائح المستأجرات مثل قول الراجز : كأنّها نائحة تفجّع * تبكي لميت وسواها المفجّع ونحوه : بكى الشجو ما دون اللهى من حلوقه * ولم يك شجو ما وراء الحناجر وقال زياد الحارثي : رمسنا رجلا في زمن أبي بكر فبكى رجل ، وقال : فبينما المرء في الأحياء مغتبط * إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير يبكي عليه غريب ليس يعرفه * وذو قرابته في الحيّ مسرور فقال له بعضهم : أتعرف قائل هذا الشعر ؟ قال : لا ، فقال : هذا الميت واللّه قائله وذاك وارثه مسرور بماله ، فأنت الغريب الباكي عليه نهاية الصبر أن لا تحدّث بمصيبتك أحدا ولا تذل نفسك عنده . الصبر على المصيبة يفلّ حدّ الشامت بها . وقال محمد بن هريمة : أقبلت من مصر فلما انتهينا إلى باعينانا قعد صاحبي ليبول ، فقال له رجل شيخ : هذا قبر عجيف ، كان المعتصم قتله هاهنا وألقى عليه هذا الحائط ، فقال الرجل : سبحان اللّه رأيتني بهذا المكان وقد دعا لي عجيف بالسوط فبلت من خوفه ، وها أنا أبول على قبره . الناس بين فرح بمولود وترح بمفقود .
--> ( 1 ) البوادر : جمع بادرة وهي اللحمة بين المنكب والعنق - المبزر : الذي يلقي الأبزار في القدر ، وهذا ملائم لرثاء الطبّاخ .