الراغب الأصفهاني
550
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال الطائي : مضى طاهر الأخلاق لم تبق بقعة * من الأرض إلا تشتهي أنها قبر وقال : أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه * فطيب تراب القبر دلّ على القبر المرثي بالعلم أنشد أبو نواس أبا عبيدة في مرثية خلف الأحمر قوله : أودى جماع العلم مذ أودى خلف * فليذمّ من العياليم الخسف « 1 » رواية لا يجتني من الصحف وفي أبيات كثيرة قال ما أحسنها وطوبى لمن يرثى بمثلها ، فقال : مت راشدا وعلي أن أرثيك بخير منها ، ولما مات سفيان بن عيينة . قال ابن مناذر : راحوا بسفيان على نفسه * والعلم مكسوين أسفانا « 2 » لا يبعدنك اللّه من هالك * ورّثنا علما وأحزانا وقال آخر : يبكيك للمجد أقلام مهذبة * والأمر والنهي والديوان والعمل وقال التنوخي : ثوى الفقه في قعر الثرى مذ ثوى به * وغاصت بحار الشعر وانقطع النظم ولو أنّ هذا الموت خصم مفوّه * لأفحمه من عزّ ألفاظه خصم المرثي بالزّهد والعبادة رأى رجل ميتا فقال : كان واللّه بالليل قوّاما وبالنهار صوّاما يجمع بين طرفي النهار والليل بالعبادة ، كما قال الأفوه : لقد أبقى مكانك في لؤي * وآل محمد خللا مبينا وليل قد دأبت له بآي * من الفرقان بين الساجدينا فآنس شخصك الجدث المعفّى * وأوحش قبرك المتهجّدينا « 3 »
--> ( 1 ) أودى : ذهب ب - العياليم : جمع عيلم ، وهو البئر الواسعة - الخسف : البئر المحفورة في صخر وماؤها لا ينقطع . ( 2 ) أسفانا : الأسفان الأسف مصدر أسف أي بالغ في الحزن والغضب . ( 3 ) الجدث : القبر - المتهجّد : الذي يصلّي الليل .