الراغب الأصفهاني

527

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

نفع البكاء في دفع الأحزان قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه : كنت إذا أصابتني مصيبة وأنا شاب لا أبكي وكان يؤذيني ذلك حتى سمعت أعرابيا ينشد : لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة * من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل « 1 » فسألته : لمن الشعر ؟ فقال لذي الرمة فكنت إذا أصبت بكيت فاسترحت . قال العبق : ويشفي منّي الوجد ما أتواجع وقال المتنبّي : وقلّ غناء عبرة تسكبانها * على أنّها تشفي الحرارة في الصّدر قلّة نفع البكاء قال أبو تمّام : أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها * بالدمع أن تزداد طول وقوع وقال أراكة : أعينيّ إن كان البكا ردّها لكما * على أحد قبلي فلا تتركا جهدا وقال الموسوي : وإن غبين القوم من ظاعن الردى * إذا جاء في جيش الرزايا بأدمع « 2 » وقال آخر : إن الدموع طليعة الأحزان من سلا عن الولد أو سليّ عنه بسلامته في نفسه قيل لعبد اللّه بن عبيد اللّه بن طاهر : وقد مات له ولد ثم أتاه الخبر قبل عوده من جنازته بأن مات له آخر فانتظر حتى جهز ، فدفنه وانصرف مع أصحابه ودعا بالطعام ، فقيل له في ذلك ، فقال : إذا سلمت الجلة فالسخل « 3 » هدر . ودخل أبو العتاهية على الفضل بن الربيع يعزيه بابنه فقال : الحمد للّه الذي جعلنا نعزيك به ولا نعزيه بك .

--> ( 1 ) نجيّ البلابل : تغريدها الشجي . ( 2 ) غبين القوم : الضعيف الرأي فيهم . ظاعن : ارتحل مع - الرزايا : جمع رزية ، وهي المصيبة الشديدة . ( 3 ) الجلّة : جمع جليل ، وهو السيد والعظيم - السخل من القوم : رذيلهم .