الراغب الأصفهاني

525

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الظفر . قال أنوشروان : الصبر كاسمه وعاقبته العسل . وقيل : الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت . وقيل : مكتوب على باب الجنة من صبر عبر . حثّ الجزوع على الصّبر وتحكيمه بين الجزع والصّبر قال أمير المؤمنين كرّم اللّه وجهه : إن صبرت فأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك المقدور وأنت مأزور . قال بعضهم : رآني راكب وأنا مكبّ على قبر أبكي ، فقال : اصبر فالصبر خير معية ، فلم أصغ إليه ، فولّى وهو يقول : فإن تصبرا فالصبر خير معيّة * وإن تجزعا فالأمر ما تريان وقال أبو راكد : فإن صبرت فلم ألفظك من شبع * وإن جزعت فعلق منفس ذهبا وقال النابغة : ألا أيّها الباكي لأحداث دهره * تحمّل على ما يحدث الدهر فاصبر فإن أنت لم تصبر لما كان جائيا * وأبصرت تنكيرا لذاك فأنكر الحثّ على تصوّر النوائب والاستعداد لها لتخفّ عند نزولها قيل : ما أمتع الدهر إلا ليمنع ولولا اغترار الجاهل بفوائده لخلت النفوس من الحسرة على نوائبه . قيل : لا تخل قلبك من عوارض الفكر وخواطر الذكر فيما تعروك به الأيام من ارتجاع ودائعها وحلول وقائعها . وقيل : من كان متوقعا لم يلف متوجعا . قال ابن الرومي : ألم تر رزء الدهر من قبل كونه * كفاحا إذا فكرت في الخلوات فما لك كالمرمي في مأمن له * بنبل أتته غير مرتقبات فإن قلت مكروه أتاني فجأة * فما فرحت نفس مع الخطرات ولا عوفصت نفس لبلوى وقد رأت * عظات من الأيام بعد عظات « 1 » إذا بغتت أشياء قد كان مثلها * قديما فلا تعتدها بغتات « 2 » الغمّ يمرض البدن سئل عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما عن الحزن والغضب فقال : أصلاهما واحد ، وذلك وقوع الأمر على خلاف المحبة فأما فرعاهما فمختلفان فالمكروه ممن فوقك ينتج حزنا وممن دونك ينتج غضبا . قال المتنبي : وحزن كلّ أخي حزن أخو الغضب

--> ( 1 ) عوفصت : من عفصه أي قلعه أو أثخنه في الصراع . ( 2 ) بغتات : جمع بغتة ، وهي الفجأة .