الراغب الأصفهاني

521

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

فها أنا واقف أبكي على نفسي . ولما مات الفرزدق بكى عليه جرير ورثاه ، فقيل له : أبعد تلك المعاداة ؟ فقال : لم أر اثنين بلغا الغاية ومات أحدهما إلا ولحقه الآخر عن كثب ، فكان كذلك . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه اللّه ويبتليك . وممّا يتصل بذلك لما أتى عبد اللّه بن الزبير خبر قتل مصعب أخيه احتجب أياما ، فخبّر بمجيء قوم للتعزية فقال : أكره وجوها تعزّي ألسنتها وتشمت قلوبها . نفي العار عن الموت قالت ليلى الأخيلية : لعمرك ما بالموت عار على الفتى * إذا لم تصبه في الحياة المعاير ومثله : وهل بالموت يا للناس عار ؟ آخر أمر المرء الموت قال شاعر : نل كلّ ما شئت وعش ناعما * آخر هذا كلّه الموت الموت منهاة الرجال قال أبو بكر العنبري : كنت قاعدا في الجامع فمرّ بي معتوه فأقبل عليّ ، وقال : فهبك ملكت هذا الناس طرّا * ودان لك العباد فكان ما ذا ألست تصير في لحد ويحوى * تراثك عنك هذا ثمّ هذا وقال آخر : هبك قد نلت كلّ ما تحمل الأر * ض فهل بعد ذاك إلّا المنيّة وقال آخر : لدوا للموت وابنوا للخراب * فكلّكم يصير إلى ذهاب كلمات لهج بها من حضره الموت فذكر الشهادة لما حضرت ابن جلاء الوفاة قيل له : قل لا إله إلا اللّه ، فقال : اليوم كذا سنة في أي شيء نحن ؟ وقال الكسائي : دخلت البادية فرأيت شابا قد أشرف على الموت ، فدنوت منه وقلت قل : لا إله إلا اللّه فلم يجب فثنّيت وثلّثت فقال : كم تذكرني باللّه وأنا محترق في اللّه . وقيل : لرجل كان مستهترا بالنبيذ ، قلّ : لا إله إلا اللّه ، فقال : يا ربّ سائلة تمشي وقد تعبت * كيف الطريق إلى حمام منجاب « 1 »

--> ( 1 ) الحمام منجاب :