الراغب الأصفهاني

510

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقيل لرجل : ما كان سبب موت فلان ؟ قال : كونه . وقال سفيان : يا ابن آدم إن جوارحك سلاح اللّه عليك بأيها شاء قتلك . ضعف بنية الإنسان وتركيبه سئل جالينوس عن الإنسان فقال : سراج ضعيف وكيف يدوم ضوؤه بين أربع رياح . يعني بالسراج روحه وبالرياح الأربع طبائعه قال شاعر : وما المرء إلا كالشّهاب وضوئه * يصير رمادا بعد إذ هو ساطع وقال أفلاطون : إذا كانت الطينة فاسدة والبنية ضعيفة والطبائع متنافية والعمر يسيرا والمنية راصدة فالثقة باطلة . قال شاعر : أنظر إلى هذا الأنام بعبرة * لا يعجبنّك خلقه ورواؤه « 1 » بيناه كالورق النضير تقضّبت * أغصانه وتسلّبت شجراؤه « 2 » وقال الحسن : مسكين ابن آدم مكتوب الأجل والعلل ، أسير الجوع والشبع . إتيان المرء حتفه حيثما قدّر له قيل لفيلسوف : مات فلان في غربة ، فقال : ليس بين الموت في الوطن والغربة فضل . لأن الموت في جميع المواضع واحد والطريق إلى الآخرة من كل مكان سواء . قال شاعر : إذا ما امرؤ حانت عليه منيّة * بأرض أتاها مكرها لا تطوّعا وقال آخر : إذا ما حمام المرء كان ببلدة * دعته إليها حاجة أو تطرّب « 3 » جهل الإنسان بوقت موته وموضع مضجعه قال اللّه تعالى : وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ « 4 » . وقيل لجعفر بن محمد عليهما الرضوان : كيف يأتي الموت من وجوه شتى على أحوال شتى ؟ فقال : إن اللّه أراد أن لا يؤمن في حال . وقيل : أمر لا تدري متى يغشاك ألا تستعد له قبل أن يفجأك . وقال ديك الجن : النّاس قد علموا أن لا بقاء لهم * لو أنّهم عملوا مقدار ما علموا

--> ( 1 ) الأنام رواؤه : ماء وجهه . ( 2 ) تقضّبت الأغصان : تقطّعت وتكسرت . ( 3 ) التطرّب : الاهتزاز طربا . وهنا بمعنى الميل والهوى . ( 4 ) القرآن الكريم : لقمان / 34 .