الراغب الأصفهاني

489

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقال أعرابي يا رب تظاهرت عليّ منك النعم ، وتكاثفت مني عندك الذنوب ، وأحمدك على النعم التي لا يحيط بها إلا علمك . ووضع أعرابي يده على باب الكعبة فقال : يا رب سائلك ببابك قد مضت أيامه ، وبقيت آثامه ، فأرض عنه وإلا ترض عنه فاعف عنه ، فقد يعفو السيد عن العبد وهو عنه غير راض . وقال عمرو بن العاص حين احتضر : يا رب إنك أمرتنا فلم نأتمر ، وزجرتنا فلم ننزجر ، وإنا لا نعتذر ولكن نستغفر . وقال ابن السماك عند وفاته : اللّهم إنك تعلم أني كنت أعصيك ، وأحب أن أكون ممن يطيعك ، إلهي كم تتحبب إليّ بنعمتك وأنت غني عني ، وكم أتبغض إليك بذنوبي وأنا إليك فقير سبحان من إذا توعد عفا ، وإذا وعد وفى . وقالت امرأة : اللّهم إني أقوم كسلى وأصلي عجزي فاغفر لي قبل عروي « 1 » ما جرى . ووقف أعرابي على قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : قد قبلنا منك وحفظنا ما أديت عن ربك ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول ، لوجدوا اللّه توابا رحيما . فقد ظلمنا أنفسنا واستغفرنا فاستغفر لنا . وكان شريح يقول : اللّهم إني أسألك الجنة بلا عمل عملته ، وأعوذ بك من النار بذنب ركبته ، قال أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه : أحب الكلام إلى اللّه أن يقول العبد وهو ساجد إن ظلمت نفسي فاغفر لي ثلاثا . من سأل خير الدارين طاف أعرابي بالبيت ثم صلّى ركعتين ونهض فقيل له : ما لك حاجة إلى اللّه ؟ قال : بلى وقد سألته . قيل وما قلت ؟ قال : قلت اللّهم إنك قد أحصيت ذنوبي فاغفرها وعلمت حاجتي فاقضها . وقال بعضهم : أستغفر اللّه والحمد للّه فقيل له في ذلك فقال : ما رأيت أجمع من هاتين الكلمتين ، أنا بين ذنب ونعمة أستغفر اللّه من الذنب وأحمده على النعمة . من سأل اللّه الغفران بفعلة كانت منه دعا رجل بالبصرة في مسجد فقال : اللّهم إني وإن كنت عصيتك فبحبي فيك من أطاعك إلا رحمتني . فهتف به هاتف : يا هذا لقد عقدت عقدا لا ينحل أبدا . ولما حج عمر بن ذر اجتمع الناس إليه فقالوا له : ادع لنا بدعوة . فقال : اللّهم أرحم قوما لم يزالوا منذ خلقتهم على مثل ما كانت عليه السحرة يوم رحمتهم وقانا اللّه هول المطلع وضيق المضجع وسوء المرتجع ، اللّهم لو سألتني حسناتي مع حاجتي إليها لوهبتها لك وأنا عبد فكيف لا تهب لي سيئاتي مع غناك عنها وأنت رب ، اللّهم أسألك المغفرة يوم كل نفس إليك فقيرة ، فإن النعمة فيها كثيرة .

--> ( 1 ) عروي : من عرا عروا فلانا قصده طالبا معروفه .