الراغب الأصفهاني

479

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

فلما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صبيحة رابع مهل ذي الحجة ، أمرهم أن يحلوا ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول اللّه أي الحل ؟ قال : الحل كله وقال أيضا : لولا أني سقت الهدى لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا أتحلل من حرام حتى يبلغ الهدي « 1 » محله . النيابة في الحجّ روي أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول اللّه إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع إن يستمسك على راحلته ، فهل ترى أن أحج عنه ؟ فقال : نعم ، قالت : أفينفعه ذلك ، قال : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ينفعه ؟ قالت : نعم فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ودين اللّه أحق أن يقضى . وروى ابن عباس : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سمع رجلا يلبي عن شبرمة فقال : ومن شبرمة ؟ قال : أخ لي أو قريب لي ، قال : وهل حججت عن نفسك ؟ قال : لا قال : هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمتك . كيفيّة حجّة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم اختلفت الصحابة في حجّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فمنهم من قال أفرد ، ومنهم من قال قرن ، ومنهم من قال تمتّع . والصحيح هو الأول عند الشافعي رضي اللّه تعالى عنه لما روى جابر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكث تسع سنين لم يحجج ، ثم أذن في الناس بالحج ، فخرج وأحرم صلّى اللّه عليه وسلّم ينتظر القضاء ، ولم ينو أحد بهما فلما دخلنا مكة وسعينا بين الصفا والمروة نزل عليه القضاء بأن من ساق الهدى فليقم على إحرامه ، ومن لم يسق فليجعلها عمرة . وروى أنس رضي اللّه عنه أنه قرن ، فقال نافع : دخلت على ابن عمر فأخبرته بما قال فقال : رحم اللّه أنسا ، إن أنسا كان يتولج على النساء متكشفات الرؤوس لصغره في ذلك الوقت وأنا كنت تحت ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصيبني لغامها أسمعه يلبّي بالحج ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة . الإهلال بالحجّ وتقبيل الحجر والوقوف بعرفة جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما بر الحج قال : العج والثج ، فالعج الإهلال والثج النحر ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم إن اللّه يحب الشعث الغبر والثجاج والعجاج . وكان عمرو بن معد يكرب يقول : الحمد للّه لقد رأيتنا من قريب ونحن إذا حججنا نقول : لبيك تعظيما إليك عمرا * نغدو بها مضمرات شزرا « 2 » قد تركوا الأوثان خلوا صفرا

--> ( 1 ) الهديّ : ما أهدي إلى الحرم من النعم . ( 2 ) مضمرات : من أضمر الفرس صيّره ضامرا ومدّة التضمير أربعون يوما - شزرا : أي نظر إليه بجانب عينه مع إعراض .