الراغب الأصفهاني
46
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال آخر : لا عار في الحبّ إن الحبّ مكرمة * لكنّه ربما أزرى بذي الخطر « 1 » وقيل : لو لم يكن في العشق إلا أنه يشجع الجبان ويصفّي الأذهان ويبعث حزم العاجز لكفاه شرفا . قال شاعر : الحبّ شجّع قلب كلّ فروقة * والحبّ حمّل عاجزا فأطاقا « 2 » ذمّ من لا يعشق وكدر حياته قال أعرابي : من لا يعشق فهو ردئ التركيب جافي الطبع كزّ « 3 » المعاطف . كان ابن أبي مليكة يؤذّن فسمع غناء فطرب وقال : إذا أنت لم تعشّق ولم تدر ما الهوى * فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا وقال : من عاش في الدنيا بغير حبيب * فحياته فيها حياة غريب ما تنظر العينان أحسن منظر * من طالب إلفا ومن مطلوب ما كان في حور الجنان لآدم * لو لم تكن حواء من مرغوب قد كان في الفردوس يشكو وحشة * فيها ولم يأنس بغير حبيب ذكر من عشق من الكبار قد علم ما كان من داود عليه السلام وعشقه امرأة أوريا والتحاكم إليه وقوله تعالى : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً « 4 » الآية حتى فطن للقصة فاستغفر ربّه ( الآية ) . وخبر يوسف وامرأة العزيز وقوله تعالى : قَدْ شَغَفَها حُبًّا « 5 » وخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع زينب امرأة زيد قال العبّاس بن الأحنف : أستغفر اللّه إلّا من محبّتكم * فإنها حسناتي يوم ألقاه فإن زعمت بان الحبّ معصية * فالحبّ أحسن ما يعصى به اللّه من قهره الهوى عن عزّه كان للرشيد ثلاث جوار اشتد شغفه بهنّ فقال : ملك الثلاث الآنسات عناني * وحللن من قلبي بكلّ مكان مالي تطاوعني البريّة كلّها * وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
--> ( 1 ) أزرى به : استخفّ به واحتقره . ( 2 ) الفروقة : الشديد الفزع للمذكر والمؤنث . ( 3 ) الكزّ : اليابس والمنقبض ، والوجه الكزّ القبيح ، يقال : كزّ اليدين أي بخيل . ( 4 ) القرآن الكريم : ص / 23 . ( 5 ) القرآن الكريم : يوسف / 30 .