الراغب الأصفهاني
454
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
بهن ونهى عن الروث والرمّة ، وقال : إنه زاد إخوانكم من الجنّ . وقال : إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء ، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسّح بيمينه . وأهدى أعرابي إلى عبد الملك شيئا فقال : كيف أقبله منك وأنت لا تحسن أن تطوف أي تقضي حاجتك ؟ فقال : إني لأطيل المشي حتى أتوارى كراهة أن أرى ولا أستقبل الريح وأجتنب القبلة وأستتر بالموجود وأقدم رجلا وأؤخر أخرى وأفج إفجاج الثعلب وأتمسح بالحجر والمدر وأجتنب الروث والرمة ، فقال عبد الملك : أنت نبيل أصيل فقيه ، وقبل هديته وأجزل عطيته . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا دخل الخلاء يقول : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث . وروي : أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم ، ولم يكن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض . الوضوء اعتبر الشافعي رضي اللّه عنه النيّة في الوضوء لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : الأعمال بالنيات ، والتسمية مستحبة لقوله إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم اللّه فإنه يطهر جسده وإن لم يذكر اسم اللّه لم يطهر إلا ما مرّ عليه الماء . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه وقال : بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما . وقال : خللوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة . وتوضأ صلّى اللّه عليه وسلّم مرة مرة وقال : هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به ، ومن توضأ مرتين فهو أفضل ثم ثلاث مرات وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي . ورأى صلّى اللّه عليه وسلّم قوما تلوح عراقيبهم ما يصيبها الماء فقال : ويل للعراقيب من النار . وكان عبد اللّه بن رواحة وقع على جارية له ورأته امرأته فأنكر ، فأمرته أن يقرأ القرآن ، فقال : شهدت بأنّ وعد اللّه حق * وأنّ النار مأوى الكافرينا فقالت : صدق اللّه وكذب بصري ثم أخبر النبي عليه السلام فضحك ولم ينكره . كراهة صبّ ماء الوضوء على الإنسان كان الرضا عند المأمون فلما قرب وقت الصلاة رأى الخدم يأتونه بالطشت والماء فقال الرضا : لو توليت هذا من نفسك ، لأن اللّه تعالى يقول : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً « 1 » فقال : سمعا وطاعة ، وأمر الغلمان بانصرافهم وقد أجازوا ذلك . ووضع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وضوء فقال : من صنع هذا ؟ فقيل ابن عبّاس فقال : اللهم فقهه في الدين . وضوء العرب والحمقى كان أعرابي إذا توضأ قدم غسل وجهه على استه ، ويقول : لا أقدّم السوءة على
--> ( 1 ) القرآن الكريم : الفرقان / 48 .