الراغب الأصفهاني

443

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

( 4 ) وممّا جاء في الأنبياء والمتنبئين أدلّة نبوّة النبي من القرآن إعجاز العرب عن الإتيان بمثل القرآن ، حيث قال اللّه تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ « 1 » فلم يقدروا مع فصاحتهم وبلاغتهم على الإتيان بمثله وإخباره عن غيوب تحققت نحو : ألم غُلِبَتِ الرُّومُ « 2 » فكان كما ذكر . وقال : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ « 3 » ، يعني فتح مكة فكان . وقال : قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ . . . « 4 » الآية ، فكان كما قال وقال : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ . . . الْعِلْمِ « 5 » الآية فوعدوه إلى وادي باهلة ، فقال : والذي نفسي بيده إن باهلوا أضرم اللّه عليهم الوادي فامتنعوا . وقال : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ، « 6 » ، كانوا : الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب والعاص بن وائل والحارث بن الطلاطلة فنزل جبريل عليه السلام وقال : إذا طافوا بالبيت فاسأل فيهم ما أحببت حتى أفعل ، فمر به الأسود فرمى في وجهه بورقة خضراء . وقال اللهم أعم بصره وأثكله ولده ففعل ، ومر بالأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى بطنه فشق فمات ، ومر به الوليد بن المغيرة فاندمل جرح ببطنه فمات ، ومرّ به العاص فأشار إلى أخمص رجله فدخل به شوك فمات ، ومر به الحارث فأومأ إليه فتفقأ قيحا فمات . معجزاته المشهورة من فعلاته وأخباره الدالّة على صدقه لما أصاب مضر الجهد ونهكهم الأزل سألوه أن يسأل اللّه تعالى الغيث لهم فسأل فأتاهم ما هدم بيوتهم ، حتى قال صلّى اللّه عليه وسلّم حوالينا ولا علينا . فأمطر اللّه تعالى ما حولهم وأمسك عنهم . وكتب عليه الصلاة والسلام إلى كسرى وبدأ باسمه فمزق كتابه ، فقال : اللهم مزق ملكه كل ممزق ، فجذّ اللّه تعالى أصله ، فكل ملك له بقية إلا ملكه . وكتب كسرى إلى فيروز الديلمي أن أحمل إليّ رأس هذا العبد الذي بدأ باسمه قبل اسمي ودعاني إلى غير ديني فأباه فيروز ، فقال : إن ربي أمرني أن أحملك إليه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إن ربي أخبرني أنه قتل ربك البارحة فألبث ، فإن جاءك ما دلّ على صدقي ، وإلا فأنت

--> ( 1 ) القرآن الكريم : البقرة / 23 . ( 2 ) القرآن الكريم : الروم / 2 . ( 3 ) القرآن الكريم : النصر / 1 . ( 4 ) القرآن الكريم : الفتح / 16 . ( 5 ) القرآن الكريم : آل عمران / 61 . ( 6 ) القرآن الكريم : الحجر / 95 .