الراغب الأصفهاني

425

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

المتبيّن فيه مخافة اللّه تعالى قيل : ما رؤي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضاحكا بعد نزول قوله تعالى : أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ « 1 » . وقال رجل ليونس بن عبيد : صف لي الحسن . قال : إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حبيبه ، وإذا جلس فكأنما أمر بضرب عنقه وإذا ذكرت النار فكأنما خلقت له . ووصف ابن عباس أبا بكر رضي اللّه عنهم فقال : كان كالطائر الحذر له في كل وجه جسد ، وكان يعمل لكل يوم بما فيه وكان محمد بن المنكدر لا يرى إلا كئيبا ، فقيل له في ذلك ، فقال : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ « 2 » . وقال الفضيل من علامة الشقاء جمود العين وقساوة القلب وطول الأمل . وكان يقول : حقيق على من كان الموت موعده والقيامة مورده والوقوف والحساب مشهده أن يطول حزنه وبكاؤه . قال مالك بن دينار في التوراة إن الرجل إذا استكمل النفاق ملك عينيه . المستكبر ذنب نفسه والمتذمّم لفعله قال بعض الصالحين : كم لي من ذنب لو عرف به الصديق لمقتني ولو عرف به العدوّ لهتكني وقال مطرف : ما نزل بلاء فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فأستصغره . قيل لحكيم كيف أصبحت ؟ قال : آكل رزق ربي مطيعا عدوه . وقيل لحسان بن سنان كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت قريبا أجلي بعيدا أملي سيئا عملي . وقال أبو العتاهية : يظنّ الناس بي خيرا وإني * لشرّ الناس إن لم تعف عنّي وقال أبو محمد الخازن : بنعمة اللّه وفي داره * عصيته جهلا وسوء اختيار إن لم يغثني عفوه عاجلا * فإنّني واللّه في النّار جار الممتنع من تناول المشتهيات والمباحات عاد مالك بن دينار جارا له فقال له : أتشتهي شيئا فقال : نفسي تنازعني منذ أربعين سنة رغيفا أبيض ولبنا في زجاج فأتاه بهما فجعل ينظر إليهما ويقول : دافعت شهوتي عمري حتى لم يبق إلا مثل ظمأ الحمار ، ومات بشهوته . الحثّ على عبادة اللّه تعالى لا طلبا لثوابه ولا مخافة من عقابه قال النباجي : لو لم يكن للّه ثواب يرجى ولا عقاب يخشى لكان أهلا أن لا يعصى ويذكر فلا ينسى بلا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب لكن لحبه وهو أعلى الدرجات ، أما

--> ( 1 ) القرآن الكريم : النجم / 60 . ( 2 ) القرآن الكريم : الزمر / 47 .