الراغب الأصفهاني

42

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقال آخر : إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدة * فما فضل قرب الدار منّا على البعد القيام للصديق الزائر كان الأحنف مستندا إلى سارية في المسجد وحده ، فأقبل بعض إخوانه فتنحّى له عن مجلسه ، فقال : يا أبا بحر ما عندك من أحد ولا مجلسك ضيق فلم تنحّيت ؟ قال : كرهت أن تظن أني لم أهشّ لزيارتك ومجيئك فشكرت ذلك بأقرب ما حضرني من الإكرام . وقال محمد بن يزيد . حضر بعض الناس مجلس كبير فنهض له فقال له في ذلك ، فقال : لئن قمت ما في ذاك عندي غضاضة * لديّ لأني للشريف مذلّل « 1 » على أنه منّي لغيرك هجنة * ولكنّه مثلي لمثلك يجمل « 2 » وقال غيره : فلما بصرنا به ماثلا * حللنا الحبا وابتدرنا القياما « 3 » فلا تنكرنّ قيامي له * فإنّ الكريم يجلّ الكراما كراهة القيام أقبل معاوية وعبد اللّه بن الزبير وعبد اللّه بن عامر جالسان ، فقام ابن عامر ولم يقم ابن الزبير ، فقال معاوية سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : لا يقومنّ الرجل لغيره من مجلسه ثم يجلسه فيه . وقيل : الكراهة في أن يقعد الرجل ويقيم الناس بين يديه .

--> ( 1 ) الغضاضة : مصدر غض غضّا وغضاضة وغضاضا طرفه أو صوته أي خفضه وكفّه ، والغصن كسره والغضاضة أيضا الذلّة والمنقصة . ( 2 ) الهجنة : العيب والقبح . ( 3 ) ماثلا : شاخصا للعيان - حلّ الحبا : كناية عن النهوض .