الراغب الأصفهاني
414
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
الحثّ على اعتبار اللّه دون غيره قيل للشعبي : أوصني فقال : قل اللّه ، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون . وقال أبو جعفر الجوهري : سمعت زنجيا يقول : هذا قلبي فتّشوه فإن وجدتم فيه غير واحد فانبشوه ، وسئل عن قوله تعالى : وإبراهيم الذي وفّى قال : الذي رضي بإسقاط الوسائط فإنه لما جعل في المنجنيق ، قال : حسبي اللّه ونعم الوكيل ، فلما صار في الجوّ أتاه جبريل عليه السلام فقال : ألك حاجة ؟ قال : أمّا إليك فلا . وكتب الجنيد إلى علي بن سهل : سل محمد بن يوسف ما الغالب عليك ؟ فقال : واللّه غالب على أمره . وقيل للشبلي : أنظر في الفقه لتفتي ، فقال : خاطر يحرك سرّي أحب إليّ من سبعين قضية قضاها شريح . الأنس باللّه في الخلوة قال عمرو بن عثمان : من كان في خلوته عينا اللّه على نفسه كفاه اللّه هم أمره في علانيته . وقال بنان الحمال : دخلت بادية فاستوحشت فهتف بي هاتف نقضت العهد أليس حبيبك معك . وقيل : من أنس بغير اللّه في الخلوة فهو أبدا في وحشة . تعظيم اللّه تعالى سمع الشبلي رجلا يكثر عند ذكر اللّه من قوله تعالى : عزّ وجل ، فقال : أحب أن تجلّه عن هذا فإنه أجل من أن يجل . وقيل للجنيد : تقول اللّه ولا تقول لا إله إلا اللّه ، فقال أخاف أن يدركني الحقّ في قولي لا وهو شأن الجحود . وقال عبد اللّه بن سهل : إن اللّه يطلع على القلوب فأيّ قلب رأى فيه غيره سلّط عليه العدو . مراعاة اللّه في الشّدة والرّخاء دخل حميد الطويل على سليمان بن علي والي البصرة فقال له : عظني ، فقال حميد : لئن كنت حين عصيت ربك ظننت أنه يراك فقد اجترأت على اللّه ولئن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت . وقال عمرو بن عثمان : قال عيسى : يا رب من أشرف الناس قال من إذا خلا علم أني ثانيه فأجلّ قدري عن أن يشهدني معاصيه . وقال رجل للحسين بن علي : من أشرف الناس ؟ قال : من اتعظ قبل أن يوعظ واستيقظ قبل أن يوقظ ، فقال : أشهد أن هذا هو السعيد . وسارّ سليمان عمر بن عبد العزيز ، فقال : هل يرانا من أحد فقال : نعم عين لا تحتاج إلى تحديق وترميق . ومرّ عمر رضي اللّه عنه بمملوك يرعى غنما فقال : أتبيعني منها شاة ؟ قال ليست لي ، قال : فأين العلل ؟ قال فأين اللّه ؟ فاشتراه عمر وأعتقه ، فقال المملوك : اللهم قد رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر ، أعوذ بك من قلب غائب عنك . وقال السري السقطي : بتصحيح الضمائر تغتفر الكبائر . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : تعرف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة ، أي تعرف إليه في الرخاء بالشكر وذكر الآلاء يعرفك في الشدة بالعصمة .