الراغب الأصفهاني

412

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقال بعضهم : سمعت امرأة تطوف بالبيت وتقول : بحبك لي إلا ما غفرت لي . فقلت لها : أما يكفيك أن تقولي بحبي لك ؟ قالت : أما سمعت قوله تعالى يحبهم ويحبونه ، فقدم محبته لهم . وسأل فقير الشبلي عن قول اللّه تعالى : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 1 » فزعق وقال : إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة * فلا خير في ودّ يكون بشافع حال التصوّف والمتصوّفة والمريد والمراد قيل لأبي عبد اللّه الحضرمي وكان يعرف بالصامت لأنه صمت عشرين سنة وقد سئل عن المتصوّفة ، فقال : رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه فقيل : كيف صفتهم ؟ قال : لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء . قيل : فأين محلهم ؟ فقال : في مقعد صدق عند مليك مقتدر . قيل : زدنا . قال : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا . وسئل بعضهم عن حدّ الصوفي فقال : الأكول الكسول الكثير الفضول ، فحكى ذلك للإمام الشافعي ، فقال : الأكول للحلال ، الكسول عن المعاصي ، الكثير الفضول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقيل : الصوفي من لبس الصوف على الصفا وذاق طعم الهوى والجفا وترك الدنيا والعفا . وسئل أبو سهل الصعلوكي عن التصوّف فقال : الإعراض عن الاعتراض . وللجنيد : التصوّف ترك التصرف . وقال : أبو عبد اللّه بن خفيف : هو لائح لاح فاصطلم واستباح ، وقال المحاسبي : الرضا بسكون القلب تحت جريان الحكم . وأقبل أبو العباس وشريح على الجنيد رحمه اللّه تعالى فقال : يا أبا العباس في كتاب اللّه تعالى آية تدل على مذهبكم . فبرك جنيد على رجليه ، وقال : بلى قال اللّه : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ الآية وقال أبو العباس بن عطاء في كتاب اللّه تعالى آية هي صفتهم يعرف معناها من تلاها وهي ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ « 2 » الآية . وسئل أبو عبيد اللّه عن المراد والمريد فقال المريد الذي سأل ربه فقال اشرح لي صدري ويسرّ لي أمري ، والمراد الذي قيل له ألم نشرح لك صدرك إلى آخرها . وقيل ما حقيقة الفقر ؟ قال أن لا ترى مع اللّه في الدارين غيره . حقيقة الذّكر هي أن يكون القلب فارغا إلا منه . قال اللّه تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ « 3 » أي بذكر موسى من غير قصد منها إلى ذكره .

--> ( 1 ) القرآن الكريم : آل عمران / 31 . ( 2 ) القرآن الكريم : التوبة / 25 . ( 3 ) القرآن الكريم : الزّمر / 29 .