الراغب الأصفهاني

404

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقال : يذمون دنيا لا يرجّون درّها * ولم أر كالدنيا يذمّ ويحلب وقال سابق البربري : النفس تكلف بالدنيا وقد علمت * أن السلامة منها ترك ما فيها وقال أبو العتاهية : كلّنا يكثر المذمّة للد * نيا وكلّ بحبّها مفتون وقال الموسوي : دنيا تضرّ ولا تسرّ وذا الورى * كلّ يجاذبها وكلّ عائب الدّنيا ضارّة لأهلها قيل : الدنيا تضرّ محبيها ما كرمت على أحد نفسه إلا هانت عليه الدنيا . وقيل : أوحى اللّه إلى الدنيا إن اخدمي من جفاك واستخدمي من يهواك . وقال عمر بن عبد العزيز : الدنيا لا تضرّ إلا من أمنها ولا تنفع إلا من حذرها . وقال عمر رضي اللّه عنه : ما كانت الدنيا هم امرئ إلا لزم قلبه خصال أربع ، فقر لا يدرك غناه وهم لا ينقضي مداه وشغل لا ينفد أولاه وأمل لا يدرك منتهاه . أرى الدنيا لمن هي في يديه * عذابا كلّما كثرت لديه تهين المكرمين لها بصغر * وتكرم كلّ من هانت عليه وقال المتنبّي : وكلّ يعشق الدنيا قديما * ولكن لا سبيل إلى الوصال وقال ابن نباتة : تملّ مآرب الأيام منّا * ونعشقها لقد عظم البلاء « 1 » وقال أبو العيناء : مذمومة بالهمّ مخطوبة * سم زعاف درّ أخلافها « 2 » ولم تزل تقتل ألافها * أفّ لمن تقتل ألّافها تبكيت النّفس في الميل إلى الدّنيا مع المعرفة بها قال شاعر : ومن عجب الدنيا ركوني وصبوتي * إليها على سنّي كأني وليدها أجاري الليالي ليلة بعد ليلة * مشيحا كأنّي تربها وطريدها « 3 »

--> ( 1 ) المآرب : الحاجات ، جمع مأرب . ( 2 ) الإخلاف للوعد : عدم الإيفاء به . ( 3 ) تربها : مماثلها في السن - طريدها : مطرودها .