الراغب الأصفهاني
375
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
الحدّ الثامن عشر في الملابس والطّيب ( 1 ) الرّخصة في إجادة الملبس وعذر فاعله دينا ودنيا قال اللّه تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ « 1 » وقال تعالى : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ « 2 » وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إن اللّه تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس . وبعث ملك الروم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جبّة ديباج فلبسها ثم كساها عثمان واشترى صلّى اللّه عليه وسلّم جبة بثمانين ناقة . وكان الحسن يلبس ثوبا بأربعمائة درهم وفرقد السنجي كان يلبس المسوح ، فلقيه الحسن فقال : يا أبا سعيد ما ألين ثوبك ، فقال الحسن : يا فريقد ليس لين ثيابي يباعدني من اللّه ولا خشونتها تقرّبك منه ، إن اللّه جميل يحب الجمال . وكان سعيد بن المسيّب يلبس الحلّة بألف درهم ويدخل المسجد ويقول : أجالس ربّي . ودخل الوليد بن يزيد على هشام وعليه عمامة وشي ، فقال : بكم أخذتها ؟ قال : بألف درهم . قال : عمامة بألف درهم ؟ قال : إني أخذتها لأشرف أعضائي ، وأنت أخذت جارية بألف دينار لأخسّ أعضائك . وقال ابن عباس : كل ما شئت وألبس ما شئت ما أخطأك اثنتان : إسراف ومخيلة . وقيل : مروءتان ظاهرتان : الرياش والفصاحة . وقيل : المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة وأنشد : إذا النّفر السود اليمانون حاولوا * له نسج برديه أدقّوا وأوسعوا الحثّ على تغطية سوء الحال بإجادة الثّياب قال بعض الحكماء : كن أحسن ما تكون في الظاهر حالا أقل ما تكون في الباطن مآلا فالكريم من كرمت عند الخصاصة « 3 » خلّته ، واللئيم من لؤمت عند الحاجة طعمته . وكان بعض القرشيين إذا اتسع لبس أرثّ ثيابه وإذا افتقر لبس أحسنها ويقول : إذا اتسعت تزيّنت بالهبة ، وإذا افتقرت تزينت بالهيئة .
--> ( 1 ) القرآن الكريم : الضحى / 1 . ( 2 ) القرآن الكريم : الأعراف / 30 . ( 3 ) الخصاصة : العوز والضيق .