الراغب الأصفهاني
360
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
لحيتك . ولأبي الفضل بن العميد من فصل قد طرزت الأيام عارضيك بتاريخ ، يفصح عما كتمته وينشر للناس من أمرك ما طويته ، وكأنك تقول هو مقدمة الهرم والمؤذن بالخرف والعائد إليّ ولا أريد تطيرا من ذكره . من مات أقرانه فقد آن أوانه قال أبو عيينة : واستحصد القرن الذي أنا منهم * وكفى بذاك علامة لحصادي وقال معاوية لجلسائه : ما تعدون الغريب فيكم ؟ فقالوا : الذي لا أحد له فقال بل الغريب الذي مات نظراؤه الذين كان يأنس بهم قال أبو محمد التيمي : إذا ذهب القرن الذي أنت منهم * وخلفت في قرن فأنت غريب قال ابن المعتز : لأيّ غايات رجائي بعد ما * رأيت أترابي وقد صاروا ترابا « 1 » وقال أبو سعيد الرستمي : جاوزت سنّي الأشدّ ومارس * ت بنفسي من الخطوب الأشدّا وتفانى الأقران دوني جميعا * وتبقّيت في الكنانة فردا وقال العلوي الكوفي : أجالس معشر الأشكل فيهم * وإشكالي قد اعتنقوا التجودا المدة التي يخاف عندها الموت قيل في قوله تعالى : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ « 2 » أنه الأربعون قال شاعر : إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن * له دون ما يأتي حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى * وإن مدّ أسباب الحياة له العمر وقال رجل لعبد الملك : كم لك من السنين ؟ فقال : أنا في معترك المنايا ابن ثلاث وستين . وكتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم إني نظرت في سنّي فإذا أنا قد بلغت خمسين سنة وأنت تحومني في السن . وإن امرأ قد سار خمسين حجّة إلى منهل لقمين أن يرده فأخذ ذلك أبو محمد التميمي فقال : فإن امرأ قد سار خمسين حجّة * إلى منهل من ورده لقريب فإن كانت الستون سنّك لم يكن * لدائك إلا أن تموت طبيب
--> ( 1 ) الأتراب : جمع ترب وهو من ولد معك . ( 2 ) وردت سابقا .