الراغب الأصفهاني
351
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
ودخل شيخ مسجدا فراود صبيا فعلم الإمام فعاتبه وعنّفه فلما أطال له قال له : كم ذا تعنفني كأن لم ير سفلة غيري . ورأى سفيان في مجلسه شيخا همّا يتخرّق صفوف النساء ويبكي فظنّ أن بكاه لما سلف من ذنوبه فاستقبلهنّ ، ثم قال : عليكنّ السلام فليس عندي * لكن فدعنني غير السّلام وكنّ إذا نظرن إليّ أمشي * نقبن عليّ من خلل الخيام وقيل : إن إبليس إذا رأى شيخا ذا طرة قال فديت من لا يفلح . الحثّ على تعظيم المشايخ ومخالطتهم روي أن رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أصابتني خصاصة فقال : لعلّك مشيت أمام شيخ . وقام وكيع لسفيان فأنكره وقال : ألست حدثتني عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : من إجلال اللّه تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن ؟ وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق : إمام مقسط وذو شيبة في الإسلام وذو علم ، وقال أزدشير لابنه وقّر المشايخ ، فهم مواطن الوقار ومعادن الآثار ورواة الأخبار وحفظة الأسرار . إن رأوك في قبيح منعوك ، أو جميل أيّدوك وإياك وأغمار الشباب فهم أهل الصبوة إلى الشهوات . وأوصى يزيد بن المهلب ابنه فقال ليكن جلساؤك ذوي الأسنان فالشباب شعبة من الجنون ومرّ الحسن بفتيان فقال : شوبوا مجلسكم بشيخ . وقيل : من عرف حقّ من فوقه ، عرف حقّه من دونه . تفضيل الشيب في الرأي على الشباب في المثل : جري المذكيات غلاء جرى المذاكي حسرت عنه الحمر . وقيل : الشيخ في رأيه كالجذل المحكك ، لا يهدّه خطب ولا يزعزعه صرف ، والشاب كالغصن الناعم الذي يستحيل بأيسر ريح وأيسر آفة . وقيل : الشيخ كالبازل المستقل بما يحمل والشاب كابن اللبون لا ينهض بما يحتمل . وقال : وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن * لم يستطع صولة البزل القناعيس « 1 » تفضيل الشبان فيه قال صلّى اللّه عليه وسلّم : وسّعوا للشبان في المجالس وأفهموهم الحديث . وكان عمر رضي اللّه عنه ، إذا نزل به معضل دعا الفتيان واستشارهم وقال هم أجدّ قلوبا . وقيل : الشيخ كالزند
--> ( 1 ) البزل : الإبل - القناعيس : الضخمة العظيمة .