الراغب الأصفهاني
32
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال رجل للشاعر : أين سكة الحمير ؟ فقال اسلك أي سكة شئت فكلها دروب الحمير . وقال بعض العرب طلبت الراحة فلم أجد أروح لنفسي من تركها ما لا يعنيها ، وتوحشت في البادية فلم أر أوحش من قرين السوء . ( 2 ) وممّا جاء في محبّة المعاشرين وبغضهم المحبوب إلى الناس قيل : فلان مودود في الورى مخصوص بالهوى . كأنّ قلوب الناس في حبّه قلب . وقال التنوخي : كأنّك في كلّ القلوب محبّب * فأنت إلى كلّ القلوب حبيب وقال الرفاء : ودّ البريّة أن عمرك دائم * وكذا الربيع يحبّ منه دوامه وقال آخر : محبّب في جميع الناس إن ذكرت * أخلاقه الغرّ حتّى في أعاديه وقال آخر : محبب في قلوب الناس كلهم * فكلّ قلب إليه مائل كلف اعتبار مودّة صاحبك بما عندك في الأثر الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف . وقال بعضهم لآخر : إني أحبك . فقال : رائد ذلك عندي . وقال : رجل لعبد اللّه بن جعفر : إن فلانا يقول إنه يحبني فبما ذا أعلم صدقه ؟ قال : امتحن قلبه بقلبك فإن كنت تودّه فإنه يودّك ، وشاهد ذلك قول بكر بن النطاح : وعلى القلوب من القلوب دلائل * بالودّ قبل تشاهد الأرواح وقال آخر : قل للتي وصفت مودّتها * للمستهام بذكرها الصبّ ما قلت إلا الحق أعرفه : إنّ الدليل عليه من قلبي * قلبي وقلبك بدعة خلقا يتجاريان بصادق الحب