الراغب الأصفهاني

232

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وصية الختن بها وإكرامه لها قال عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان : أرسلني أبي إليّ عمّي عتبة لأخطب إليه ابنته فأقعدني جنبه وقال : مرحبا بابن لم ألده أقرب قريب خطب إلي أحب حبيب لا أستطيع له ردّا ولا أجد من تشفيعه بدّا ، قد زوجتكها وأنت أعزّ عليّ منها وهي ألوط بقلبي ، فأكرمها يعذب على لساني ذكرك ، ولا تهنّها فيصغر عندي قدرك . وقد قربتك من قربك فلا تباعد قلبي من قلبك . وكتب الصابئ عن عزّ الدولة إليّ أبي تغلب وقد نقل ابنته إليه : قد وجهت الوديعة وإنما نقلت من وطن إلى سكن ومن مغرس إلى مغرس ومن مأوى عزّ وانعطاف إلى مأوى برّ وإلطاف ، ومن منبت درّت لها نعماؤه إلى منشأ تعود عليها سماؤه . وهي بضعة منّي انفصلت إليك ، وتمرة من جنى قلبي حصلت لديك . ولا ضياع على من تضمه أمانتك ويشتمل عليه حفظك ورعايتك . وكان الحسن إذا دخل ختنه يقول : مرحبا بمن كفى المئونة وستر العورة ثم يتنحّى له عن مكانه : حثّ الرجل على كفاية المرأة قال اللّه تعالى : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ « 1 » وخطب رجل إلى قوم فقال أحدهم : إن عرفت حق المرأة زوّجناك . فقال : حقّها أن لا ينسى ذكرها ولا يهتك سترها ولا يحوجها إلى أهلها . فقالت المرأة : زوّجوه . وصية الأبوين البنت بحسن معاشرة الزوج زوجت امرأة بنتها فقالت : يا بنية لو تركت الوصيّة لأحد لحسن أدب أو لكرم حسب لتركتها لك ، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل . يا بنيّة إنك قد خلّفت العش الذي منه درجت والموضع الذي منه خرجت إلى وكر لم تعرفيه وقرين لم تألفيه ، كوني له أمة يكن لك عبدا ، واحفظي عني خصالا عشرا تكن لك دركا وذكرا . أما الأولى والثانية فحسن الصحابة بالقناعة وجميل المعاشرة بالسمع والطاعة ففي حسن المصاحبة راحة القلب وفي جميل المعاشرة رضا الرب والثالثة والرابعة التفقد لموضع عينه والتعاهد لموضع أنفه ، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشمّ أنفه منك خبيث ريح . واعلمي أن الكحل أحسن الحسن المودود ، وأن الماء أطيب الطيب الموجود ، والخامسة والسادسة فالحفظ لماله والرعاية لحشمه وعياله ، واعلمي أن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير ، والإرعاء على الحشم حسن التدبير . والسابعة والثامنة التعاهد لوقت طعامه ، والهدوء عند منامه ، فحرارة الجوع ملهبة ، وتنغيص النوم مغضبة . والتاسعة والعاشرة لا تفشين له سرا ، ولا تعصين له أمرا . فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره ، وإن عصيت أمره أوغرت صدره .

--> ( 1 ) القرآن الكريم : البقرة / 229 .