الراغب الأصفهاني
202
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
اعتذار هارب زعم أن هربه نبوة أو قدر قال شاعر : أيذهب يوم واحد إن أسأته * بصالح أيامي وحسن بلائيا ولم تبد منّي نوبة قبل هذه * فراري وتركي صاحبي ورائيا قال عبد اللّه بن غلفاء : وليس الفرار اليوم عارا على الفتى * إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس وسمع بعض الفرس قول الشاعر : ألم تر أن الورد عرّد صدره * وحاد عن الدعوى وضوء البوارق « 1 » فقال : عذره أشدّ من ذنبه فمن قصّر عن إمساك مركوبه كيف يرجى منه أن يهزم جماعة عدوّه ، قال نعيم التميمي : فإن يك عارا يوم فلج أتيته * فرادى فذاك الجيش قد فرّ أجمع قال ثعلبة الباهلي : فلا تعذلاني في الفرار فإنّني * فرارى لمّا قد فرّ قبلي عامر فإن لم أعوّد نفسي الكرّ بعدها * فلا ووألت نفسي عليها « 2 » وقال الوليد لعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه : مالك جفوت عثمان رضي اللّه عنه ؟ فقال : أبلغه أني لم أفر يوم أحد ولا تخلفت يوم بدر . فأخبرته بذلك . فقال : أمّا فراري يوم أحد فقال يعيرني به وقد عفا اللّه عنّي حيث يقول : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا « 3 » ولقد عفا اللّه عنهم . وأما تخلفي يوم بدر فإني كنت أمرّض بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى ماتت . أخبره عنّي بذلك . المتفادي من حضور الحرب قيل لبعضهم لم لا تغزو ؟ فقال : إني أكره الموت على فراشي فكيف أسعى إليه برجلي . ورأى المعتصم في بعض منتزهاته أسدا فنظر إلى رجل أعجبه زيه وقوامه وسلاحه فقال له : أفيك خير ؟ فعلم الرجل مراده فقال : لا . فقال : لا قبّح اللّه سواك وضحك . واجتاز كسرى في بعض حروبه برجل قد استظل بشجرة وألقى سلاحه وربط دابّته . فقال له : يا نذل نحن من الحرب وأنت بهذه الحالة ، فقال : أيها الملك إنما بلغت هذا السن بالتوقي ، فقال : زه وأعطاه مالا .
--> ( 1 ) عرّد : ارتفع . ( 2 ) ووألت : يقال وأي من كذا : طلب النجاة منه ، وإلى المكان : بادر ، وإلى اللّه رجع . ( 3 ) القرآن الكريم : آل عمران / 155 .