الراغب الأصفهاني
198
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
تبكيت من عرض عليه صلح فلم يقبله واستوخم عاقبته قال ابن قيس : ومولى دعاه الغيّ والغيّ كاسمه * وللجبن أسباب تصدّ عن الحزم « 1 » أتاني يشبّ الحرب بيني وبينه * فقلت له لا بل هلمّ إلى السّلم ولما أبى أرسلت فضلة ثوبه * إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم فكان صريع الجهل أوّل مرة * فيا لك من مختار جهل على علم ضارع يطلب الصلح قال المتنبّي : من أطاق التماس شيء طلابا * واغتصابا لم يلتمسه سؤالا ( 6 ) وممّا جاء في الهزيمة والخوف وأنّ الفرار لا يقي من الموت قال اللّه تعالى : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ . . . أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ « 2 » وقال أمير المؤمنين يوم الجمل : إن الموت طالب حثيث لا يعجزه المقيم ولا يفوته الهارب ، وإن لم تقتلوا تموتوا وإن أشرف الموت القتل . والعرب تقول : أجرأ من خاصي خصّاف وكان جبارا فشهد حربا فوقف حجزه فجاء سهم فغرز في الأرض وجعل يهتز فبحث فرآه قد أصاب يربوعا « 3 » ، فقال : لا المرء في شيء ولا اليربوع « 4 » ولا أقتل إلا بأجلي . ثم حمل فخرق الصف ، فأنكى « 5 » في القوم . قال شاعر : إن الفرار لا يزيد في الأجل تفضيل القتل على الهرب قال سقراط لرجل هرب من الحرب : الهرب من الحرب فضيحة . فقال الرجل : شر من الفضيحة الموت . فقال سقراط : الحياة إذا كانت صالحة فسلم فإذا كانت رديئة فالموت أفضل منها . ولما قتل الإسكندر ملك الهند قال لحكمائه : لم منعتم الملك من الطاعة ؟ قالوا : ليموت كريما ولا يعيش تحت الذلّ .
--> ( 1 ) الغيّ : الضلال . ( 2 ) القرآن الكريم : الأحزاب / 16 . ( 3 ) اليربوع : الفأر . ( 4 ) اليربوع : الفأر . ( 5 ) أنكى فيهم : قهرهم بالقتل والجرح .