الراغب الأصفهاني
149
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
بغير حجة وصارع بغير قوة فقد أعظم الخطر وأكبر الغرر : إذا ما أردت الأمر فاذرعه كلّه * وقسه قياس الثوب قبل التقدّم لعلّك تنجو سالما من ندامة * فلا خير في امرأتي بالتندّم المتبجّح بثباته قيل : لأمير المؤمنين رضي اللّه عنه أنت محرب مطلوب فلو اتخذت طرفا . فقال : لا أفرّ عمن كرّ ولا أكرّ على من فرّ ، فالبغلة تكفيني . وقيل لعباد بن الحصين : إن جالت الخيل فأين نطلبك ؟ قال : حيث تركتموني . وقيل لبعض بني المهلب بن نلتم ؟ ما نلتم قال بصبر ساعة ، وقال هدبة : أخو الحرب من لا يجتويها إذا اجتوت * ولا يظهر الشكوى وإن كان موجعا « 1 » وقال : قوم إذا نزلوا الوغى لم يسألوا * حذر المنيّة عن طريق الهارب وقال آخر : ولا يرتقي من خشية الموت سلّما قال أبو فراس : صبور ولو لم تبق منّي بقية * قئول ولو أن السيوف جواب « 2 » وقور وأحداث الليالي تنوشني * وللموت حولي جيئة وذهاب المبادر إلى الحرب غير مبال بها وصف أعرابي قوما فقال ما سألوا قط كم القوم ، وإنما يسألون أين هم ؟ سأل رجل يزيد بن المهلب فقال : صف لي نفسك ، فقال : ما بارزت أحدا إلا ظننت أن روحه في يدي . ولما بلغ قتيبة حدّ الصين قيل له قد أوغلت في بلاد الترك والحوادث بين أجنحة الدهر تقبل وتدبر ، فقال بثقتي بنصر اللّه توغّلت وإذا انقضت المدة لم تنفع العدة فقال الرجل أسلك حيث شئت فهذا عزم لا يفلّه إلا اللّه ، قال السلامي : أتى القدر المتاح فلا اصطبار * يرد شباة عنك ولا فرار وليس تقدّمي خرقا ولكن * لغير الحرب يدّخر الوقار
--> ( 1 ) اجتوى الشيء : كرهه ، والعبد كره المقام به ، وجوي يجوى ( المرء ) : أصابته حرقة وحالة من الوجد الشديد بسبب حزن أو عشق . ( 2 ) يفتخر أبو فراس بصبره في الشدائد وجراءته وثباته في المواقف غير آية بالمخاطر .