الراغب الأصفهاني

96

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقيل : استمع ، فسوء الاستماع نفاق . وقيل للسائل : على السامع ثلاث أمور : جمع البال ، وحسن الاستماع ، والكتمان لما يقتضي الكتمان . وقيل : أساء سمعا فأساء إجابة . وقال فيلسوف لتلميذ له : أفهمت ؟ قال : نعم . قال : كذبت لأن دليل الفهم السرور ولم أرك سررت . وقيل : نشاط القائل على قدر فهم السامع . وقيل : من سعادة القائل أن يكون المستمع إليه فهيما . وقيل فلان في الاستماع ذو أذنين « 1 » وفي الجواب ذو لسانين « 2 » . قال الشاعر : إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم * وإن حدّثوا قالوا بحسن بيان وقال رجل : أذني قمع لمن يحدّثني . النّهي عن محادثة من ساء استماعه قيل : من لم ينشط لاستماع حديثك ما رفع عنه مئونة الاستماع . وقال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : حدث الناس ما حدجوك بأسماعهم ، ولحظوك بأبصارهم ، فإذا رأيت منهم إعراضا فأمسك . وقيل : لا تطعم طعامك من لا يشتهيه . وقيل حدث حديثين امرأة فإن لم تسمع فأربع ، أي كفّ . الحثّ على ازدياد السّماع على المقال سمع بقراط « 3 » رجلا يكثر من الكلام ، فقال له : إن اللّه تعالى جعل للإنسان لسانا واحدا وأذنين ، ليسمع ضعف ما يقول . تفضيل السماع على المقال كان أعرابي يجالس الشعبي « 4 » فأطال الصمت ، فسأله عن ذلك ، فقال : أسمع فأعلم ، واسكت فأسلم . وقيل لأعرابي : لم لا تتكلم ؟ فقال : حظّ لسان الرجل لغيره وحظّ سمعه له . وقال محمد بن المنكدر : لأن أسمع أحبّ إليّ من أن أنطق ، لأن المستمع يتّقي ويتوقّى .

--> ( 1 ) قوله ذو أذنين : كناية عن حسن الاستماع . ( 2 ) قوله ذو لسانين : كناية عن حسن البيان والإفصاح . ( 3 ) بقراط : أحد كبار أطباء الإغريق الأقدمين ولد سنة 460 ق . م ، وكانت ولادته في جزيرة كوس ومات في تساليا ولم تحدّد سنة وفاته . بعض آثاره مترجم إلى العربية ومنها « طبيعة الإنسان » . ( 4 ) الشعبيّ محدّث وراوية في التّابعين واسمه أبو عامر بن شراحيل . من تلاميذه أو حنيفة . وكان الشعبي مستشارا للخلفاء . أخذ الحديث عن الإمام علي وعائشة أم المؤمنين وأبي هريرة . مات الشعبيّ سنة 105 ه ( 723 م ) .