الراغب الأصفهاني
94
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
ملكت سكينته عليه أمره * فكأنه ساه وليس بساه وقال ابن علقمة : صموت في المجالس غير عيّ * جدير حين ينطق بالصّواب ذمّ الإكثار من الكلام قيل : من أكثر أهجر . المكثار كحاطب الليل ، من أطلق لسانه بكل ما يحبّ كان أكثر مقامه حيث لا يحبّ . وقال الجريمي : وخير حال الفتى في القول أقصدها * بين السبيلين لا عيّ ولا هذر وقال أياس لخالد بن صفوان : لا ينبغي أن نجتمع في منزلك لأنّك تحبّ أن لا تسكت ، وأنا أحبّ أن لا أسمع . الحثّ على ترك فضول الكلام قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : رحم اللّه من أمسك الفضل من قوله . قال عبد اللّه بن الحسين لابنه : استعن على الكلام بطول الفكر ، في المواطن « 1 » التي تدعو نفسك إلى الكلام ، فإن للقول ساعات يضرّ خطؤها ، ولا ينفع صوابها ، وقيل : من حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه . وقال عبد اللّه بن طاهر لبعض منادميه : يا هذا أما أقللت فضولك أو أقللت دخولك ؟ وقيل : فضل النظر يدعو إلى فضل القول . الحثّ على السكوت مطلقا قيل : إن كانت العافية من مالك فسلّط السكوت على لسانك . الصمت داعية المحبّة ، الصمت زين العاقل وستر الجاهل . قال الشاعر : لو كان من فضّة تكلّم ذي * النطق لكان السكوت من ذهب الحثّ على تدبّر الكلام قبل إيراده « 2 » قال الحسن : لسان العاقل من وراء قلبه ، فإذا أراد الكلام رجع إليه فإن كان له تكلم به وإلا تركه ، ولسان الجاهل قدام قلبه يتكلّم بما عرض له . وقيل : من لم يخف الكلام تكلّم ومن خافه تبكم . قال الشاعر : تأمّل فلا تستطيع ردّ مقالة * إذا القول في زلّاته فارق الفما « 3 »
--> ( 1 ) المواطن : أي مواطن أو مواضع الكلام . ( 2 ) إيراده : أي إيراد الكلام بإيصاله إلى السامع أو إبلاغه . . ( 3 ) الزلّات : الهفوات والسقطات ، جمع زلّة .