الراغب الأصفهاني
87
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
الآفات المعترضة للسان من العيّ اللثغة تغيير في القاف والسين واللام والراء ، والتمتمة التتعتع « 1 » في التاء ، والفأفاة في الفاء ، واللفف إدخال حرف في حرف وإياه عني الشاعر بقوله : كأن فيه لففا إذا نطق والتلجلج « 2 » يقارب ذلك والحبسة ثقل في الكلام والعقلة اعتقال اللسان والحكلة نقصان آلة النطق حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال وأصله في الفحل إذا عجز عن الضراب « 3 » ، وقيل : لا يصفو كلام من يكون منزوع الثنيتين . ما يعرض في بعض اللغات من العيّ كشكشكة تميم وهو قلب كاف المؤنث شيئا نحو ، فعيناش عيناها وجيدش جيدها ، وكسكسة بكر وهي قلبها ، سينا وعنعنة تميم كقوله : ظننت عنك ذاهب والعجرفة جفاء في الكلام ، واللخلخانية تعرض في أعراب الشجر وعمان والطمطمانية لغة في حمير كقولهم طاب امهواء ، أي طاب الهواء . استعمال كلّ كلام مع الجنس المخصوص به قيل : الكلام بذلة ومدخر فمن تكلم وقت البذلة بالمدخر أتعب نفسه ، ومن تكلم وقت المدخر بالبذل هجن نفسه . من خاطب عاميّا بتفاصح وتذلق اشترى رجل من أصحاب يعقوب الكندي جارية فاغتاظت عليه ، فشكاها إلى يعقوب ، فقال : جئني بها لأعظها . فجاء بها إليه فقال : يا لعوبة ما هذه الاختيارات الدالات على الجهالات ؟ أما علمت أن فرط الاعتياصات « 4 » من الموبقات « 5 » على طالبي المودّات ، الباذلين الكرائم المصونات مؤذنات بعدم المعقولات ؟ فقالت الجارية : أما علمت أن هذه العثنونات « 6 » المنشرات على صدور أهل الركاكات ، محتاجات إلى المواسي الحالقات ؟ فقال يعقوب : للّه درّها فلقد قسّمت الكلام تقسيما فلسفيا ، فاشدد يديك بها . فلم يستوحش من سفاهتها لما أوردت الكلام مسجّعا موزونا . وقال نحوي لصاحب بطيخ : بكم تانك البطيختان اللتان بجنبهما السفرجلتان ، ودونهما الرمانتان ، فقال : بضربتان وصفعتان ولكمتان ، فبأيّ آلاء ربّكما تكذبان .
--> ( 1 ) التتعتع : من عيوب النطق وهو التلعثم بحرف الراء . ( 2 ) التلجلج : التردد في الكلام . ( 3 ) الضراب : مصدر ضرب الفحل ضرابا إذا نكح الأنثى والناقة الضارب التي ضربها الفحل . ( 4 ) الاعتياصات : الاعتياص ، العصيان . ( 5 ) الموبقات : المهلكات جمع موبق . ( 6 ) العثنونات : جمع عثنون وهي اللحية .