الراغب الأصفهاني
85
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
مدح كلام وسط خير الكلام ما لا يكون عاميا سوقيا ولا عربيا وحشيّا . وقيل : الإيغال « 1 » في البلاغة معجزة ، والخروج عن كلام أهل الزمان هجنة . قال أبو الأسود الدؤلي لابنه : يا بنيّ إذا كنت في قوم فلا تتكلّم بكلام من لم يبلغه سنّك فيستثقلوك ، ولا بكلام من هو دونك فيستحقروك . مفاضلة الرواية والبديهة قال معاوية لعمرو بن العاص : أنا آدب منك ، فقال : أنت للرويّة وأنا للبديهة وبينهما بون « 2 » . وقال ابن الرومي : نار الرويّة نار غير منضجة * وللبديهة نار ذات تلويح وقد يفضّلها قوم لعاجلها * لكنّه عاجل يمضي مع الرّيح فضل البديهة وما يحاضر به قيل : خير الفقه ما حضرت به ، ولا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النادي . وقال الحطيئة : فهذا بديه لا كتحبير قائل * إذا ما أراد القول دوره شهرا وقال المتنبي : أبلغ ما يطلب النجاح به الطب * ع وعند التعمّق الزلل النهي عن التشادق والتقعّر وذمّهما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون « 3 » المتشدّقون « 4 » . وقال : صلى اللّه عليه وسلم إياك والتشادق . وقال بشر بن المعتمر « 5 » إيّاك والتقعر « 6 » فإنّه يسلمك إلى التعقيد ، فيستهلك معانيك ، ويمنعك من مراميك . وقال تشقيق البيان من شقاشق الشيطان . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم شعبتان من النفاق البذاء « 7 » والبيان ، وشعبتان من الإيمان : الحياء والعيّ « 8 » ،
--> ( 1 ) الإيغال : مصدر وغل يغل وغولا في الشيء : أي دخل فيه وذهب بعيدا ، وأوغل : أسرع ، والإيغال الإسراع . ( 2 ) البون : الفرق . ( 3 ) المتفيهق : الذي يتوسّع في الكلام . ( 4 ) المتشدّق : من شدق شدقا : اتسع شدقه وهو زاوية الفم ، وذلك للتفصّح . ( 5 ) بشر بن المعتمر : أحد شيوخ المعتزلة ، عاصر هارون الرشيد . ( 6 ) التقعّر : التعمّق في الكلام ، والتقعّر إخراج الكلام من الحلق . ( 7 ) البذاء : الكلام السفيه ، السافل . ( 8 ) العيّ : العجز عن البيان .