الراغب الأصفهاني

60

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقال الشعبي « 1 » : ما كتبت سوداء في بيضاء إلا حفظتها . وقال : أحفظ كل حديث سمعت والموضع الذي سمعت فيه . وقال الأصمعي « 2 » : أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة . فقال رجل منها البيت والبيتان ، فقال : ومنها المائة والمائتان . وورد أبو مسعود الرازي أصبهان « 3 » ، ويقال أنه أملى عن ظهر قلبه مائة ألف حديث ، فلما وصلت كتبه قوبلت بها فلم يعثر منها على سقطة إلا في متن حديثين . وادّعى الخوارزمي « 4 » أنه حفظ كتاب الأمثال لأبي عبيدة في ليلة ، وقيل جرى حديث الحفظ لما كان بأصبهان فقرئ عليه أوراق من حساب البقّالين فأعادها على الترتيب . النسيان وذكر بنيه قيل : فلان لو غابت عنه العافية لنسيها وحكى جراب الدولة أن رجلا كان على عاتقه صبي عليه قميص أحمر ، وهو ينادي من وجد صبيا عليه قميص أحمر ؟ فقيل : أليس هو على عاتقك ؟ فلمسه فقال : أحسنت كنت نسيته . وقال قتادة يوما : ما نسيت شيئا قط ، ثم قال في أثره : يا غلام ائتني بنعلي ، فقال له الغلام : أليس نعلك في رجلك ، وكان قد نسيه . عذر من نسي أجرا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه . وقال تعالى في آدم : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً « 5 » ، وقال تعالى : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ « 6 » . وسمّي الناسي ابن سهوان ومنه قيل أن الموصين بنو سهوان . قال البحتري : إن كنت أنسيتها فلا عجب * قد عاهد اللّه آدما فنسي

--> ( 1 ) الشعبيّ : هو أبو عامر بن شراحيل عاش بين ( 642 م ) و ( 723 م ) ، وهو تابعي وكان محدثا ورواية وأكثر رواياته عن الإمام علي وأبي هريرة وعائشة ، وكان يلقّب ب « علّامة الكوفة » . ( 2 ) الأصمعيّ : ورد ذكره سابقا . ( 3 ) أصبهان : من مدن فارس الشهيرة وإليها ينتسب عدد كبير من أهل العلم والأدب ، ومنهم صاحب الأغاني أبو الفرج الأصبهاني . ( 4 ) الخوارزمي : اسم لعدد من مشاهير العلم والأدب منهم أبو بكر الخوارزمي الشاعر والكاتب ، وأبو عبد اللّه محمّد صاحب كتاب مفاتيح العلوم وهو من أوائل الكتب الموسوعية باللغة العربية وثالث الخوارزميين محمّد بن موسى منجم المأمون وهو من المؤلفين في علم الحساب . عاش هذا الأخير في القرن التاسع للميلاد وأما الآخران فقد عاشا في القرن العاشر الميلادي والمقصود هنا على الغالب أبو بكر الخوارزمي . ( 5 ) القرآن الكريم : طه / 115 . ( 6 ) القرآن الكريم : الكهف / 64 .