الراغب الأصفهاني

6

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الحنبلي وغيرهما ، في الوقت الذي رحبت فيه موسوعاتهم أو معاجمهم بأعلام أقلّ منه نباهة وأقصر ، في حقل التأليف ، باعا . بسبب هذا الصدوف عن احتضان الراغب الأصفهاني الرجل والعالم ، وجدنا أنفسنا نفتقر إلى كثير من الأرقام والأخبار التي من شأنها تحديد المحطّات الهامة في تاريخ حياته ، والخطوط الرئيسة من سيرته ، بين الولادة وعهد الطلب وعهد الأستاذية ، لمعرفة كبار شيوخه وبالتالي تلامذته ، وغير ذلك من وقائع تلك الحياة وروابطها الاجتماعية والسياسيّة . وأيّا كانت طبيعة المعطيات الكامنة وراء افتقادنا آثار أقدام الراغب الأصبهانيّ فوق رمال عصره ، فنحن نستطيع أن نرسم صورة لكثير من معالم تلك الأقدام الضائعة في ضوء أحداث القرن الخامس الهجري والإحاطة بظروفه وأحواله على كافة الصعد سياسيا واجتماعيا وفكريا : لقد شهد عصر الراغب الأصفهانيّ ، من الناحية السياسية حدثين كبيرين في فترتين متباعدتين : أما الأول فهو ظهور مملكة السلاجقة في أواسط تركستان والغرب لتشتمل منذ نهاية العقد الثالث من القرن الخامس أي حوالي سنة 430 ه ( 1038 م ) على رقعة واسعة من البلدان ، من أرض الصين وأفغانستان في شرقي آسيا إلى كردستان والعراق والشام لجهة الغرب . أما الحدث الثاني الذي أشرنا إليه فهو حملة الصليبيين التي انطلقت من أوروبا غربا إلى بيت المقدس في فلسطين مكتسحة الشام من أعاليها وصولا إلى مصر . ويتضح للمتأمل في حياة الراغب أنها ظلّلت جميعا بحكم السلاجقة ولكنّها لم تعاصر حرب الصليبيين إلا في السنوات الاثنتي عشرة التي سبقت وفاته ، ومعلوم أن الراغب مات سنة 502 ه ( 1108 م ) ، وأن دولة الصليبيين أرسيت مدامكها الأولى سنة 492 ه ( 1098 م ) . ولئن كان التمهيد لكتاب من آثار الراغب لا يسمح لنا بأن نتبسط في درس ظروف بيئته العامّة والخاصّة إبّان القرن الخامس الهجري ، إلا أننا نقف عند بعض الوقائع الكبرى في سياق العصر انطلاقا من بدايات العقد الخامس أي في حدود السنة 444 ه ، ولا ندري هل كان الراغب آنذاك قد أبصر نور الحياة أم أن ولادته كانت بعد هذا التاريخ ؟ ففي السنة المذكورة كما يذكر الذهبي في تاريخه « 1 » ذرّت الفتن المذهبية قرنها في بغداد ، ولا سيّما في الكرخ ، وجرت تصادمات بين فئات متناوئة فكان قتال وحملات ومناوشات وشبّت نيران ووقعت الضحايا من كل فريق . وفي هذا العام بالذات لم تقتصر الفتن على داخل البلاد بل بدأت الغارات على جهات

--> ( 1 ) الحافظ الذهبي : العبر في خبر من غبر : خبر سنة 444 ه ( الجزء الثالث ) .