الراغب الأصفهاني
52
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
مدح صيانة العلم وجّه الرشيد إلى مالك بن أنس « 1 » رحمه اللّه ليأتيه فيحدثه ، فقال مالك إنّ العلم يؤتى فصار الرشيد إلى منزله فاستند معه إلى الجدار ، فقال : يا أمير المؤمنين من إجلال اللّه تعالى إجلال العلم . فقام وجلس بين يديه وبعث إلى سفيان بن عيينة فأتاه وقعد بين يديه وحدّثه . فقال الرشيد بعد ذلك : يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به وتواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به . وفي أمثال العرب أن الثعلب والغراب تحاكما إلى الضب « 2 » ، فقالا : أخرج وأحكم بيننا . فقال : في بيته يؤتى الحكم . وقال لقمان لابنه : صن علمك فوق صيانة نفسك . وقيل : لم ير أفضل من الخليل « 3 » في التلطّف عن الكسب بالعلم . كان الناس يأكلون بعلمه وهو في خصّ له . وخرج إلى مكّة ، والناس يقولون في الحرمين : قال الخليل ، وذكر الخليل ، ورجع إلى البصرة ولم يعلم بمكانه . قال الشيخ رحمه اللّه : ومن ملك نفسه هكذا ، فحقيق أن يقال رجل فضل وصدق . وللقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني : ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي * لأخدم من لاقيت لكن لأخدما ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظّموه في النفوس لعظّما ولكن أهانوه فهانوا ودنّسوا * محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما « 4 » نهي العلماء عن التّهافت على باب السّلطان قال بعض العلماء : شرار الأمراء أبعدهم عن العلماء ، وشرار العلماء أقربهم إلى الأمراء . ودنا سقاء من فقيه على باب السلطان فسأله عن مسألة فقال : أهذا موضع المسألة ؟ فقال السقاء : أو هذا موضع الفقيه ؟ وكتب عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه إلى ابن علية حين ولي صدقات البصرة « 5 » : يا جاعل العلم له بازيا * يصطاد أموال المساكين « 6 »
--> ( 1 ) مالك بن أنس : من كبار الفقهاء في الإسلام وأحد أصحاب المذاهب فيه ومذهبه معروف باسم المذهب المالكي . كانت ولادة مالك في المدينة سنة 97 ه ( 715 م ) ومن أشهر مؤلفاته كتابه الموطّأ وفيه أصول مذهبه . مات سنة 179 ه ( 795 م ) . ( 2 ) الضبّ : من الزواحف وهو شبيه بالحردون . ( 3 ) الخيل ( هنا ) : أي الخليل بن أحمد مستنبط علم العروض . ( 4 ) تجهّم : عبس وقطّب وجهه . ( 5 ) البصرة : مرفأ في العراق على شطّ العرب . وكانت البصرة أكثر مدن العراق ازدهارا زمن الدولة العبّاسية . كما كانت مع الكوفة مركزا مرموقا من مراكز العلم والثقافة العربيّة . ( 6 ) البازي : طير من الجوارح يصاد به وهو أنواع شتّى والجمع بزاة وأبواز وبيزان ، وحامل الباز يقال له البازدار واللفظة فارسية .