الراغب الأصفهاني

43

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقيل لبعضهم : ما الدهاء ؟ فقال : قتل العدوّ في لطف . مدافعة العدوّ بالمداراة في كتاب كليلة : « 1 » لا تسلم من العدو القويّ بمثل التذلّل والخضوع ، كما أن الحشيش إنما يسلم من الريح العاصف بانثنائه معها ، أينما مالت به الريح ساعدته . أخذه ابن الرومي فقال : كالريح والزرع استكان لمرّها * وعتت فلم تقدر على تقصيفه « 2 » كم قد نجا منه الضعيف وما نجا * منه العنيف بلفّه ولفيفه وتهاتن الجذع الأبي مهزّه * فأتت عليه ولم ترع لخفيفه « 3 » ولهذا الباب نظائر في العداوات . الجهل بمستقبل الزّمان قال اللّه تعالى مخبرا عن النبي عليه السلام : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ، وما مسّني السوء . قال القطامي : وما يعلم الخير امرؤ قبل أن يرى * ولا الشرّ حتّى تستبين دوائره وقال آخر : تبين أعقاب الأمور إذا مضت * وتقبل أشباها عليك صدورها « 4 » ( 3 ) ومما جاء في المشاورة والاستبداد بالرأي الحثّ على مراجعة الأودّاء « 5 » ومدح المشاورة قال اللّه تعالى : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ « 6 » وقيل من شاور أهل النصيحة سلم من الفضيحة . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : المشاورة حصن من النّدامة وأمن من الملامة .

--> ( 1 ) كتاب كليلة : أي كتاب كليلة ودمنة المعروف لابن المقفع . ( 2 ) استكان استكانة : خضع - عتت الريح : اشتدّت وعصفت . ( 3 ) تهاتن . . . : تتابع - أتت عليه ( هنا ) : اجتثته ، واقتلعته . ( 4 ) أعقاب الأمور : عواقبها . ( 5 ) الأوداء : ذوو الودّ والنّصحاء . ( 6 ) القرآن الكريم : آل عمران / 159 .