الراغب الأصفهاني
38
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
قال الشاعر : أصبحت تنفخ في رمادك بعد ما * ضيّعت حظّك من وقود النّار الأمر بترك التلهف على ما فات قال اللّه تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ . قيل : أكبر الأدواء للبدن التلهف على ما لا يدرك . إن ليتاوان لو إعناء . إظهار النّدامة والتأسّف قال الشاعر : عضضت أناملي وقرعت سنّي « 1 » وقال الكسعي وخبره مشهور : ندمت ندامة لو أنّ نفسي * تطاوعني إذا لقطعت خمسي تبيّن لي سفاه الرأي منّي * لعمر أبيك حين كسرت قوسي وهذا هو المضروب به المثل في الندامة وإياه عنى الفرزدق بقوله : ندمت ندامة الكسعيّ لما * غدت منّي مطلّقة نوار وقال صخر بن عمرو : أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه * وقد حيل بين العير والنزوان « 2 » قال آخر : وكنت كناشب في الوحل ينوي * نهوضا وهو يزداد ارتطاما « 3 » مدح من لا يندم فيما يباشره قال أبو الأصمع : لا ينهض العجز في أعقاب نهزته « 4 » ، ولا يصاحب عزما حين يخترم « 5 » المتنبي : فما تكشّفك الأعداء عن ملل * من الحروب ولا الآراء عن زلل وقال الموسوي في مدح بعضهم : في قرعه سنّه لا يطمع النّدم
--> ( 1 ) عضضت أناملي وقرعت سنّي : كناية عن الندم والحسرة على ما فات ولا يمكن استدراكه . ( 2 ) النزوان : الوثب . ( 3 ) الناشب : العالق غير القادر على الخلاص أو الفكاك . ( 4 ) النهزة : السانحة أو الفرصة الملائمة . ( 5 ) اخترم يخترم ( الأمر ) : مضى وانقضى ، واخترم ( فلان ) : مات .