الراغب الأصفهاني
33
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
يعرف نقص غيره . فآكل الثوم لا يجد نتن نفسه . الحثّ على تدبّر معايبك قال لقمان عليه السلام : لا تدع النظر في مساويك كلّ وقت ، لأنّ ترك ذلك نقص من محاسنك . وقيل : كن في الحرص على تفقّد عيوبك كعدوّك . الحثّ على قذع « 1 » النفس قال الحسن رضي اللّه عنه : أقذعوا هذه النفوس فإنها طلعة . وقال حكيم : لا ينبغي لحكيم أن يطلب طاعة غيره وطاعة نفسه عليه ممتنعة . وقال أبو ذؤيب : والنّفس راغبة إذا رغّبتها * وإذا تردّ إلى قليل تقنع « 2 » وقيل : العاجز من يعجز عن قذع نفسه . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ألا أخبركم بأشدّكم من ملك نفسه عند الغضب . النهي عن الركون إلى النفس قال الجنيد رحمه اللّه : لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها فإنّ لها خدائع ؛ وإن سكنت إليها كنت مخدوعا . وقيل : من رضي عن نفسه سخط الناس عليه . المسرور بأن عرف عيوبه قال عمر رضي اللّه عنه : رحم اللّه امرا أهدى إلينا عيوبنا . وقالت الحكماء أنت لا ترى عيب نفسك ، فسل من ترضى عقله ونصحه يعرّفك . وقال رجل لمسعر : أتحبّ أن تهدى إليك عيوبك ؟ فقال أمّا من ناصح فنعم ، وأمّا من شامت فلا . وقيل : ينبغي للرجل أن يكون مرآة أخيه تريه خيره وشرّه . قال الشاعر : أصبحت في هيئة المرآة تخبرنا * عيوبنا كلّ ما فينا من الكدر « 3 »
--> ( 1 ) قذع النفس : القذع مصدر قذع قذعا فلانا عابه ورماه بسوء القول ، وقذع نفسه عابها . ( 2 ) يتناول أبو ذؤيب الهذلي في هذا البيت تأثير العادة في النفس ويحثّ على كبح رغباتها وردّها إلى جادة القناعة . ( 3 ) الكدر في هذا السياق كناية عن عيوب النفس ، فالشاعر يدعو إلى تأمل النفس في مرآة النقد الذاتي للكشف عن تلك العيوب لتلافيها وتجنّبها .