الراغب الأصفهاني
28
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
صعوبة مداواة الأحمق لكلّ داء دواء يستطبّ به * إلا الحماقة أعيت من يداويها « 1 » وقال المتنبّي : ومن البليّة عذل من لا يرعوي * عن جهله وخطاب من لا يفهم « 2 » روي أن عيسى عليه الصلاة والسلام ، أتى بأحمق ليداويه ، فقال : أعياني مداواة الأحمق ولم يعيني مداواة الأكمه « 3 » والأبرص « 4 » . وقال الحجّاج : أنا للعاقل المدبّر أرجى منّي للجاهل المقبل . وقيل : أنك تحفظ الأحمق من كل شيء إلا من نفسه ، وتداويه إلا من حمقه . تعب العاقل واستراحة الجاهل قيل لحكيم : من أنعم الناس عيشا ؟ فقال : من كفى أمر دينه ، ولم يهتم لأمر آخرته . قال أبو علي كاتب بكر : من رزق الحمق فذو نعمة * آثارها واضحة ظاهره يحطّ ثقل المرء عن نفسه * والفكر في الدنيا وفي الآخرة وقال آخر ( المتنبّي ) : ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم موصوف بالعقل كان ابن المقفع والخليل « 5 » يحبّان أن يجتمعا . فاتفق التقاؤهما ، فاجتمعا ثلاثة أيام يتحاوران . فقيل لابن المقفع : كيف رأيته ؟ فقال : وجدت رجلا عقله زائد على علمه . وسئل الخليل عنه ، فقال : وجدت رجلا علمه فوق عقله . قال بعض العلماء : صدقا فإن الخليل مات حتف أنفه في خص « 6 » وهو أزهد خلق اللّه ، وتعاطى ابن المقفع ما كان مستغنيا عنه حتى قتل أسوأ قتلة . قال الصنوبري : فإن يلتمس يوما حجاكم فإنّكم * جبال الحجا لكنّكم أبحر الجدوى « 7 »
--> ( 1 ) يستطبّ به : يداوى به ويعالج . ( 2 ) العذل : اللوم - يرعوي : المضارع من ارعوى أي ارتدع وأقلع عن . . . ( 3 ) الأكمه : الأعمى . ( 4 ) الأبرص : المصاب بالبرص وهو مرض يحدث في الجسم كله قشرا أبيض ويسبب للمريض حكّا مؤلما . ( 5 ) الخليل : ( هنا ) هو الخليل بن أحمد من أئمة اللغة وواضع علم العروض . ( 6 ) الخصّ : البيت من قصب أو شجر ، جمع خصوص . ( 7 ) حجاكم : الحجى : العقل - الجدوى : العطاء .