الراغب الأصفهاني

15

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

اللغة والنّحو ، كان من الحصر « 1 » صورة مثيلة ، أو بهيمة مهملة . ومن لا يتتبع طرفا من الفضائل ، المخلّدة عن ألسنة الأوائل ، كان ناقص العقل . فالعقل نوعان : مطبوع ومسموع ، ولا يصلح أحدهما إلا بالآخر . وقد تحرّيت فيما أخرجته من كلّ باب غاية الاختصار والاقتصار ، وأعفيته من الإكثار والإهذار « 2 » ، لئلا تعاف ممارسته ومدارسته ، لكن عظم هذا الكتاب بعض العظم ، لكثرة فصوله وتحقيق تفاصيله . وقد جعلت ذلك حدودا وفصولا وأبوابا . وذكرت جملة الحدود والفصول في أوّل الكتاب ، ليسهل طلب كل معنى في مكانه . ووضعت كلّ نكتة في الباب الذي هو أليق بها ، وإن كان كثير من ذلك يصلح استعماله في أمكنة سهّل اللّه علينا ما يحمد عقباه « 3 » ، ووفّقنا في جميع أمورنا لما يرضاه ، وجعل خير أعمالنا ما قرب من آجالنا ، إنه عليم قدير . نعم المولى ونعم المصير . الحدّ الأول : في العقل والعلم والجهل ، وما يتعلّق بها . الأول : العقل والحمق وذمّ اتباع الهوى « 4 » . الثاني : الحزم والعزم وما يضادّهما ، والظنّ والشكّ والتثبّت « 5 » ، والعجلة . الثالث : المشاورة والاستبداد بالرأي . الرابع : العلم والعلماء مدحا وذما ، والحفظ والنسيان . الخامس : التعليم والتعلّم ، وما يتعلق بهما . السادس : البلاغة « 6 » وما يضادّها . السابع : النطق والسماع والمقال والسكوت . الثامن : المذاكرة والمجادلة « 7 » . التاسع : الشّعر والشّعراء .

--> ( 1 ) الحصر : مصدر حصر ( فلان ) حصرا : أي عيي في النّطق وأصله من الحضر أي الضّيق . ( 2 ) الإهذار : الهذر من هذر وأهذر الرجل في كلامه أي خلط وتكلّم بما لا ينبغي ، والهذر سقط الكلام الذي لا يعبأ به . ( 3 ) العقبى : العاقبة . ( 4 ) الهوى ( هنا ) : إرادة النفس وميلانها إلى ما تستلذ ، وغلب استعمال الهوى في غير المحمود من الميول والجمع أهواء . يقال اتبع هواه أي زاغ عن الصواب أو صار من أهل البدع . ( 5 ) التثبّت : التحقّق من الأمور وهو نقيض التشكيك وعدم الجزم في الأمور . ( 6 ) البلاغة في الاصطلاح : البيان والتعبير عن مقتضى الحال . ( 7 ) المجادلة : المخاصمة أو المهارة في الخصومة .