الراغب الأصفهاني
109
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
لأشعر شعرائكم ، فقلت : من هو ؟ فقال : هو زهير . إنه لا يعاظل « 1 » بين الكلام ولا يتتبع حوشيّه « 2 » ، ولا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال ، قال ابن سلام : لم يبق في وصف الشعر شيئا ، إلا أتى به في هذا الكلام . وكان معاوية يسمّي الأعشى « صناجة العرب » « 3 » يعني أنه يطرب إطرابها . وقال محمد بن سلام : سألت عمر بن معاذ التيمي عن أشعر الناس ، فقال : أوس بن حجر « 4 » وأبو ذؤيب « 5 » فقلت : أليس النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول يجيء امرؤ القيس يوم القيامة وبيده لواء الشعراء ؟ فقال : اللواء إنما يكون مع دون الأمير . وذكر قوم جريرا والفرزدق ، فقال بعضهم : جرير كان أنسبهما وأسهبهما . وسئل آخر عنهما فقال : جرير يغرف من بحر « 6 » ، والفرزدق ينحت من صخر « 7 » . فقال الذي يغرف من بحر أشعر ، وقال مروان بن أبي حفصة : ذهب الفرزدق بالفخار وإنّما * حلو الكلام ومرّه لجرير ولقد هجا فامضّ أخطل تغلب * وحوى اللهى بمديحه المشهور كلّ الثلاثة قد أبرّ بمدحه * وهجاؤه قد سار كلّ مسير الممدوح بإجادة نسجه والتمدّح بذلك ، والحثّ عليه ذكر عند أبي بكر رضي اللّه عنه الشعراء ، فقال : أشعر الناس النابغة أحسنهم شعرا ، وأعذبهم بحرا وأبعدهم غورا . وقول عمر رضي اللّه عنه في زهير من هذا الباب وقد تقدم آنفا . وقيل : فلان إذا قال أسرع ، وإذا مدح رفع وإذا هجا وضع . وسئل البحتري عن أبي تمام ، فقال مدّاحة نواحة « 8 » ، عديّ بن الرقاع : وقصيدة قد بتّ أجمع بينها * حتى أقوّم ميلها وسنادها
--> ( 1 ) يعاظل : المعاظلة هي تعقيد الكلام والإتيان بالرجيع من القول . ( 2 ) الحوشي : الغريب . ( 3 ) صنّاجة العرب : لقب غلب على الأعشى لأنه كان يطوف في أحياء العرب فيمدح كبار القوم فيسير شعره بين القبائل والصنّاجة ( صيغة فعّالة ) صاحب الصّنج وهو من آلات الطرب ذات أوتار ، والصّنج : الطبل . ( 4 ) أوس بن حجر : من شعراء الجاهليّة وهو أحد المعمّرين عاش نحوا من تسعين عاما بين 530 و 620 للميلاد . ( 5 ) أبو ذؤيب : هو أبو ذؤيب الهذليّ ، أحد شعراء الجاهلية والإسلام . شارك في فتح إفريقيا ومات في مصر سنة 28 ه ( 648 م ) . ( 6 ) يغرف من بحر : كناية عن سهولة شعره وسلاسة لفظه . ( 7 ) ينحت من صخر : كناية عمّا في شعره من المتانة وشدّة الأسر والغريب . ( 8 ) مدّاحة نوّاحة : أي يجيد في مدحه ورثائه .