محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
44
المجموع اللفيف
أعرابيا أميّا ، أصابته السنة [ 1 ] ، فقدم عين التمر [ 2 ] ، وعليها عامل للحجاج بن يوسف ، وكان العامل يغدّي كل يوم ويعشّي ، فوقف ابن القرّية ببابه [ 7 ظ ] فرأى الناس يدخلون ، فقال : أين يدخل هؤلاء ؟ قالوا : إلى طعام الأمير ، فدخل فتغدى ، فقال : أكل يوم يصنع الأمير ما أرى ؟ فقيل : نعم ، فكان يأتي كل يوم بابه للغداء والعشاء ، إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل عربيّ غريب لا يدرى ما هو ، فأخّر لذلك طعامه ، وجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغدى ، فقال : ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم ؟ قالوا : أغتمّ لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب ، لا يدري ما هو ، قال : ليقرئني الأمير الكتاب ، فأنا أفسّره إن شاء اللّه ، فذكر ذلك للوالي ، فدعا به ، فلما قرأ عليه الكتاب عرف ابن القرية الكلام ، واستدل ببعض المعاني على بعض ، وفسّر ذلك للوالي ، حتى عرّفه جميع كتابه ، فقال له : أفتقدر على جوابه ؟ فقال : لست أقرأ ولا أكتب ، ولكن أقعد بين يديّ كاتبين ، يقرأ أحدهما ويكتب الآخر ، ففعل ، فكتب جواب الكتاب ، فلما قرئ الكتاب على الحجاج رأى كلاما غريبا ، فعلم أنه ليس من كلام كتّاب الخراج ، فدعا برسائل عامل عين التمر فنظر فيها ، فإذا هي ليست ككتاب ابن القرّية ، فكتب الحجاج إلى العامل : أما بعد ، فقد أتاني كتابك بعيدا من جوابك بمنطق غيرك ، فإذا نظرت في كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تبعث إليّ بالرجل الذي صدر [ 8 و ] لك الكلام والسلام . فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية فقال : أقلني ، قال : لا بأس عليك ، وأمر له بكسوة ونفقة ، وحمله إلى الحجاج ، فلما دخل عليه قال : ما اسمك ؟ قال : أيوب ، قال : اسم نبيّ ، وأظنك أميّا تحاول فلا يستصعب عليك المقال ، وأمر له بنزل ومنزل ، فلم يزل يزداد به عجبا حتى أوفده على عبد الملك بن
--> [ 1 ] السنة : الجدب والقحط . [ 2 ] عين التمر : بلدة قريبة من الأنبار ، غربي الكوفة ، بقربها موضع يقال له ( شفاثا ) ، وهي على طريق البرية ، افتتحها المسلمون في أيام أبي بكر سنة 12 ه - . ( ياقوت : عين التمر ) .